ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
أهلا وسهلا بكم في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
عذرا /// أنت عضو غير مسجل لدينا الرجاء التسجيل

ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة

شهداء فلسطين
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بكتك العيون يا فارس * وبكتك القلوب يا ابا بسام
إدارة ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة ترحب بكم أعضاءً وزوارً في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
محمد / فارس ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقكم لمحزونون

شاطر | 
 

 الإنصاف في العداوة والصداقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو ايهاب حمودة
:: المشرف العام ::
:: المشرف العام ::
avatar

عدد المساهمات : 25191
تاريخ التسجيل : 16/08/2009

مُساهمةموضوع: الإنصاف في العداوة والصداقة   الإثنين يناير 18, 2016 10:28 pm


الإنصاف في العداوة والصداقة

" صديقك صديقك، وصديق صديقك صديقك، وعدوك عدوك، وصديق عدوك عدوك، وعدو صديقك عدوك، وعدو عدوك صديقك"
استهلال:
الصداقة مطلب الجميع في هذه الحياة وذلك لكون الإنسان يميل إلى التمدن ويكره الوحشة ويحن إلى الرفقة ولكونه موجود مع الآخر ومن أجله ولكن مفهوم الصداقة في حد ذاته يختلف من شخص إلى الآخر ويتغير من مجتمع إلى آخر تبعا لاختلاف المعايير والقيم التي تتحكم في الثقافة التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص. ربما يعود الاختلاف إلى الأهداف والمقاصد المرجوة من تدشين علاقة المصادقة ، إذ هناك نية نحو كسب المنفعة وتحقيق المصلحة عند البعض وتوجه نحو كسب السلطة والجاه عند فريق ثان وثمة بحث دائم عن إرضاء الرغبة وإشباع العاطفة عند البعض الآخر ولكن قلة هم الذين يبحثون عن الصداقة الحقيقية.
تصطدم تجربة الصداقة راهنا بعدة تحديات منها هيمنة النزعات العدمية والفوضوية في تصور المجتمع وتغلب الطموحات المادية والتوجهات الوصولية على الأبعاد الغائية والقيم الروحية وسيطرة المقاصد الدنيوية الجزئية على الأهداف المعنوية الكلية للحياة، وقد ضيق هذا المشهد المتوتر على حضور الخل الودود وجعله يكون عملة نادرة في زمن طغى فيه التكالب السريع على الثروة والجري وراء الربح المادي الفوري وبرز العنف الرمزي والحروب المتناسلة اللاشرعية وانفلت ذئبية البشر من عقالها العقلاني وتصدرت الرغبات الأنانية قائمة المقتنيات الناسوتية الضرورية.
أما إذا حاولنا ضبط تعريف دقيق لهذا المفهوم النفيس وإدراك هذه القيمة الغالية بطريقة ملموسة فحدث ولا حرج فهو "لفظ بلا معنى" أو كما يرى التوحيدي شيء عزيز وكأنه ليس موجودا لأننا قد نصطدم بعدة تعريفات وتظهر أمامنا العديد من الحكم الخالدة ومأثورات فلسفية كثيرة حولها، إذ يقول دولوز في ماهي الفلسفة؟ حول هذا الموضوع:" إن مسألة الصداقة والصديق توجد في قلب الفلسفة... ولا يمكن معرفة ماهي الفلسفة بدون عيش هذه المسألة الغامضة، والإجابة عنها حتى ولو كان الأمر صعباً". ولكن أرسطو كان منذ قرون قد صرح:" يا أصدقائي، لم يعد هناك صديق"، في حين يعترض عليه كانط تماشيا مع تفاؤل عصر التنوير في ميتافيزيقا الأخلاق:" إن الصداقة ، في صورتها المثلى ، هي اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام . ونرى بسهولة أن الصداقة عبارة عن "مثال" (Idéal ) للتعاطف والتواصل بين الناس ، وغاية هذا المثال تحقيق خير الصديقين اللذين جمعت بينهما إرادة طيبة أخلاقية."
فماهو حد الصداقة إذن؟ وماهي دلالتها ومستوياتها ؟ هل تقوم على الاختلاف بين الشخصين أم على التوافق بينهما ؟ وهل يمكن للصديقين أن يتوافقوا في كل شيء؟ لماذا قلت الصداقة الحقيقية في عصر العولمة وتحول الصديق إلى عملة نادرة؟ ماهي الصعوبات التي تواجهها الصداقة؟ كيف تنقلب إلى عداوة؟ ماهي أسباب نشوب العداوة بين البشر؟ ما السبيل إلى تحصيل الصداقة؟ وماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر حتى ينعم الناس بالصداقة؟ والى أي مدى تجلب الصداقة السعادة إلى الإنسان؟ وكيف يمكن تحديد الصداقة كعلاقة يمكن أن تجمع بين الأنا والغير؟
غير أن الإشكال الرئيسي الذي يطرح هو التالي: هل الصداقة عبارة عن مثال أخلاقي صعب التحقيق أم أنها تجربة حية من التعاطف والتواصل بين الناس؟ هل تقوم الصداقة على منافع مباشرة ومتبادلة أم على مشاعر الحب والاحترام؟ هل هي واجب أم حق؟ وأليست هي التعبير الحقيقي عن انفتاح الذات على الأغيار؟ وما تأويلنا لقوله عز وجل: "الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"؟
ما نراهن عليه عند الاهتمام بمثل هذه الإشكاليات العالقة هو تفادي انغلاق التماثل والعزوف عن تحديد العلاقة مع الغير على أساس التصادم والعداوة والعمل على التشريع لانفتاح المختلف وبناء جسور الالتقاء بين الناس على أساس من التعاون والتوادد وذلك بالرجوع إلى فلسفة للصداقة قائمة الذات.
1- مكاسب الصداقة:
" قيل لأرسطاطاليس الحكيم معلم الاسكندر الملك من الصديق؟ قال: إنسان هو أنت، إلا أنه بالشخص غيرك!"
الصداقة من الصِدْقٍ الذي يعني الحقيقة والصواب وهو عند الجرجاني:" مطابقة الحكم للواقع... وقول الحق في مواطن الهلك، وقيل أن تصدق في موضع لا ينجيك منه إلا الكذب" والصديق هو الصاحب والرفيق والأنيس والجليس والخليل والنديم وهو ضد الكذاب بحيث لا يكون في أحواله شوب ولا في اعتقاده ريب ولا في أعماله عيب مبين لما يخبر به على ما كان. وقد ذكر التوحيدي في رسالته المشهورة عن الصداقة والصديق:" قلت للأندلسي: مم أخذ لفظ الصديق؟ قال أخذ بنظر من الصدق وهو خلاف الكذب. ومرة قال من الصدق لأنه يقال: رمح صدق أي صلب وعلى الوجهين، الصديق يصدق إذا قال ويكون صدقا إذا عمل، قال: وصدقة المرأة وصداقها وصدقتها كله منتزع من الصدق والصدق وكذلك الصادق والصديق والصدوق والصدقة والمتصدق والمصدق، كل هذا متواخ."
ما يثير الاستغراب أننا لا نجد معنى الصداقة في بعض المعاجم الفلسفية العربية المعاصرة ونجد مكانها الصحبة والتي تتخذ دلالة دينية وتشير إلى الصحابي والصاحب مثلها مثل مفردة الصدوق والصديق ونجد في المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ما يلي:" صحبة compagnie هي الرفقة أو الزمالة. والصاحب الملازم، إنسانا كان أو حيوانان أو مكانا أو زمانا، لا فرق أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر:"والصاحب بالجنب" (النساء36)، يعني صحبة جيرة، أو بالعناية والهمة:" يقول لصحبه لا تحزن" (التوبة 40)، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته:"فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا" (الكهف 34) ويقال للمالك للشيء أنه صاحب هذا الشيء ومالكه أيضا كقوله تعالى...أصحاب الكهف وأصحاب السفينة وكذاك لمن يملك التصرف، تقول صاحب المر والنهي... والصحبة تعني العشرة:"وصاحبهما في الدنيا معروفا" ( لقمان15)، يعني عاشرهما – أي الأبوين والصحبة بمعنى الخلطة:" قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني" ( الكهف 76) أي لا تخالطني... والأصحاب هم الملازمون..."
بيد أن جميل صليبا في معجمه الفلسفي يعتبرها أحد المفاهيم الفلسفية ويعرفها على التالي:"الصداقة علاقة عطف ومودة بين الأشخاص... والفرق بينها وبين العشق أن الصداقة متبادلة على حين أن العشق لا يشترط فيه التبادل"، ومن علامات الصديق حسب ابن المقفع أن يكون لصديقه صديقا وأن يتعاون ويتواصل معه وأن يؤدي كل طرف إلى الآخر حقه في الطاعة والنصيحة وأن يعتذر له عند كل مخالفة لآداب الصحبة وأن يفتح له الأبواب الموصدة ويضحي من اجله ويبوح له بكل ما يجول بخاطره ويؤمنه على أسراره وأن يعينه على هم الزمان وحصار المكان.
"الصديق هو الذي لم يدع شيئا مما أظهره باللسان إلا حققه بقلبه وعمله" ،و إن الصداقة توجد خارج لعبة تبادل المنافع وعملية الأخذ والعطاء لأن "الصديق لا يراد ليؤخذ منه شيء أو ليعطى شيئا ولكن ليسكن إليه ويعتمد عليه ويستأنس به ويستفاد منه ويستشار في الملم وينهض في المهم ويتزين به إذا حضر ويتشوق إليه إذا سفر."
إن الصداقة معنى قبل كل شيء لاسيما وأنها علاقة ايجابية تستقي ماهيتها من ذاتها وبفضلها يصبح الغريب قريبا ويحارب شيخوخة الجسد باستزادة الطاقة للروح ،وكما يقول مصطفى الحسناوي:" "الصداقة جرح لأن أساسها ليس بالضرورة هو الكلام او حتى الصمت بل الاستعداد للموت" ص 36.بل إن"الموت هي ما يسمح لي بإعلان الصداقة" لكونه الغياب الأكبر. لكن على خلاف ما قاله الحسناوي من أن " إن سؤال الصداقة في الثقافة العربية سؤال نادر" نجد أن الاشتغال على هذا المفهوم هو من الآداب التي اشتهرت في الثقافة العربية وخاصة في عصر الإنسية مع التوحيدي وابن المقفع ومسكويه والمتنبي ولابد من ذكر "رسالة الصداقة والصديق" في هذا المقام.
وقد قال الجاحظ في فضائل الصداقة ما يلي:" ولعمري ما يكاد ذلك يجيء إلا في أقل الأمور، وما كثر مجيء السلامات إلا لمن أتى الأمور من وجوهها وإنما الأشياء بعوامها. فلا تكونن لشيء مما في يدك أشد ضنا ولا عليه أشد حدبا، منك بالأخ الذي قد بلوته في السراء والضراء، فعرفت مذاهبه وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناحيته، فإنما هو شقيق روحك وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك وتوأم عقلك. ولست منتفعا بعيش مع الوحدة. ولابد من المؤانسة، وكثرة الاستبدال تهجم بصاحبه على المكروه. فإذا صفا لك أخ فكن به أشد ضنا منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدنك فيه أن ترى منه خلقا أو خلقين تكرههما، فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد، فكيف بنفس غيرك! وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره، وقد قالت الحكماء:"من لك بأخيك كله"، و"أي الرجال المهذب". ثم لا يمنعك ذلك من الاستكثار من الأصدقاء فإنهم جند معدون لك ينشرون محاسنك ويحاجون عنك. ولا يحملنك استطراف صديق ثان على ملالة للصديق الأول، فإن ذلك سبيل أهل الجهالة، مع ما فيها من الدناءة وسوء التدبير، وزهد الأصدقاء جميعا في إخائك. والله يوفقك. وستجد في الناس من قد جربته الرجال قبلك ومحضه اختبارهم لك. فمن كان معروفا بالوفاء في أوقات الشدة وحالات الضرورة، فنافس فيه واسبق إليه، فإن اعتقاده أنفس العقد. ومن بلاه غيرك فكشف عن كفر النعمة والغدر، لا يفي لأحد، وإنما يميل مع الرجحان: يذل عند الحاجة ويشمخ مع الاستغناء."
زيادة على ذلك عرف عن أبي حيان التوحيدي "كلام في الصداقة والعشرة والمؤاخاة والألفة وما يلحق بها من رعاية والحفاظ والوفاء والمساعدة والنصيحة والبذل والمؤاساة والجود والتكرم، مما قد ارتفع رسمه بين الناس وعفا أثره عند العام والخاص." ونفى أن تصح الصداقة مع الملوك والتناء من أصحاب الضياع والتجار أصحاب المذاب والتطفيف وحصرها في الكتاب وأهل الدين بقوله:"وأما أصحاب الدين والورع فعلى قلتهم فربما خلصت لهم الصداقة لبنائهم إياها على التقوى وتأسيسها على أحكام الحرج وطلب سلامة العقبى. وأما الكتاب وأهل العلم فإنهم إذا خلوا من التنافس والتحاسد والتماري والتماحك فربما صحت لهم الصداقة وظهر منهم الوفاء."
عندئذ نستخلص أن الصداقة أرفع شأنا من مجرد علاقة بين شخصين تقوم على العشق والمحبة والكلف والشغف والتتيم والتهيم والهوى والصبابة والتدانف والتشاجي لأن كل هذه مجرد أعراض لأمراض، بينما "الصداقة أذهب في مسالك العقل وأخل في باب المروءة وأبعد من نوازع الشهوة وأنزه عن آثار الطبيعة وأشبه بذوي الشيب والكهولة وأرمى إلى حدود الرشاد وآخذ بأهداب السداد وأبعد من عوارض الغرارة والحداثة." على هذا النحو ينبه التوحيدي من صداقة السوء وتبخيس قيمة الصداقة بقوله:" وإذا أردت الحق علمت أن الصداقة واللفة والأخوة والمودة والرعاية والمحافظة قد نبذت نبذا ورفضت رفضا ووطئت بالأقدام ولويت دونها الشفاه وصرفت عنها الرغبات."
انظر كم هي عديدة المكاسب التي يجنيها المرء من الصداقة "وما أحوجك أيها الفتى المقتبل والصاحب المؤمل إلى أخ كريم الأخوة ، كامل المروة، إذا غبت خلفك وإذا حضرت كنفك وان لقي صديقك استزاده لك من المودة وان لقي عدوك كف عنك غرب العادية وإذا رأيته ابتهجت وإذا باثثته استرحت." لكن لماذا أصبحت العشرة صعبة والصداقة قليلة والصحبة نادرة؟ وكيف تنقلب الصداقة إلى عداوة؟
2- أسباب العداوة:
" تزداد الكراهية إذا قوبلت بالكراهية وعلى العكس فهي تزول إذا قوبلت بالحب" اسبينوزا، الإتيقا.
ليست كل صداقة هي صحبة حقيقية بل يمكن أن تكون علاقة مصطنعة قوامها الغش والنفاق والكذب وتكون بالتالي صداقة زائفة وتجربة فاشلة من التقارب بين شخصين ولذلك يرى نيتشه :"عداوة صريحة أفضل من صداقة مصطنعة" وأن المرء يبدي في الظاهر الطيبة والتسامح ويخفي في الباطن التوحش والعدوان والتسلط وأن هذه الانفعالات تتفجر إلى السطح وتبرز في القول والسلوك عندما تجد الظروف المواتية وخاصة عند لحظات التشنج مثل الشعور بالخطر والألم وعند الحزن والغضب والخوف. فمن يؤلب الناس على بعضهم البعض؟
عبر التوحيدي عن هذه الحال بالدعاء التالي:"اللهم اسمع واستجب فقد برح الخفاء وغلب الجفاء وطال الانتظار ووقع اليأس ومرض الأمل وأشفى الرجاء والفرج معدوم وأظن أن الداء في هذا الباب قديم والبلوى فيه مشهورة والعجيج منه معتاد."
هناك عدة أسباب تدفع الناس إلى العدوان أهمها:
- تفضيل الشبيه والمثيل والنفور من المباين والغريب والميل إلى الانغلاق ورفض الانفتاح.
- الإنسان عدواني بطبعه حسب البعض وخاصة فرويد وهوبس بقولهما:"الإنسان ذئب للإنسان".
- التمركز على الذات والأنانية وما ينجر عنها من أناوحدية وأنانة وقد قال فرويد:"الإنسان أناني بطبعه".
- الهمجية الناتجة عن الجهل والتعصب والسذاجة وغياب الوعي وبقاء الناس في حال القطيع وتحولهم إلى حشود نتيجة الوصاية والقصور وبقائها عند بسائط الأمور.
- الوله الطبيعي بالحرية واعتقاد إن الحرية هي غياب الإكراه وأن يفعل ما يشاء حتى وان كان ذلك على حساب حرية الآخرين. وفي هذا يصرح فرويد:"أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجد متعة عندما يرى غيره يتعذب".
- حب الهيمنة والرغبة في الطغيان والبحث عن الجاه والسلطة والتلذذ بتعذيب الغير.وقد ذكر التوحيدي:" الصداقة التي تدور بين الرغبة والرهبة شديدة الاستحالة وصاحبها من صاحبه في غرور والزلة فيها غير مأمونة وكسرها غير مجبور."
- حب البقاء والرغبة في المحافظة على الذات بكل الوسائل حتى بحرمان الآخرين من حقهم الطبيعي في الحياة وفي المشاركة في تعمير الكوكب.
- ظهور الملكية الفردية وندرة الوسائل والشروط الضامنة للبقاء ودخول الناس في نزاع مميت من أجل الفوز بها وإرضاء حاجياتهم، وقد صرح جون جاك روسو: بدا الصراع منذ أن وضع إنسان يده على شيء ما وقال هذا لي".
- نظرة الآخر الاقصائية التي تنزل بالمرء من مرتبة الذات إلى مرتبة الموضوع وتشييئها وقد قال سارتر هنا:"إن نظرة الآخر تقلقني" و" الآخرون هم الجحيم" و"إن الآخر هو الصخرة التي تتحطم عليها حريتي" ووصل إلى النتيجة التالية:"إما أنا أو الآخر".
- التصنيع والمكننة وبلوغ التقنية أوج مراحلها بحيث ظهر الإنسان ذو البعد الواحد والمجتمع ذو البعد الواحد وغلب مبدأ المردود وتلبس الكوجيتو بالبضاعة والفن بالسعلنة.
- الثقافة الآثمة هي سبب في انتشار الكراهية بين البشر وذلك لتوظيفها للعقل الحسابي واعتبار قيم السوق هي الإنجيل الذي ينبغي تقديسه والوقوع في جنون الاستهلاك وإصابة الناس حمى إشباع الرغبات اللامتناهية،وقد ذكر فرويد:"إن الحضارة لا تقوم إلا على قمع الغرائز" .
- اعتبار الذاتية هي الوجود الحقيقي يؤدي إلى رفض التواصل والانحباس داخل الأنا مما يجعل كل غير هو غريبا وتجبر الأنا على التطابق مع ذاتها والبحث عن الشبيه في حركة نرجسية عدمية.
من هذا المنطلق:" ليس الإنسان بذلك الكائن الطيب السمح ذي القلب الضمآن إلى الحب... وإنما هو على خلاف ذلك كائن تندرج العدوانية لديه بالضرورة وبقدر لا يستهان به ضمن معطياته الغريزية."
غني عن البيان أن أبي عثمان الجاحظ كان قد نبه من تحول الصديق إلى عدو وحذر من الخل المذموم وقدم عدة أسباب لنشوب النزاع بين الصديقين وهي الكذب والغضب والجزع والحسد والمفاخرة بالأنساب وكثرة العتاب ومعاشرة دخلاء السوء والإفراط في المزاح بما يذهب بالبهاء والاغترار بالعلم والمال والجاه وامتداح الذات والابتعاد عن الحق، إذ يصرح في هذا الشأن:"اعلم أن الحكماء لم تذم شيئا ذمها أربع خلال: الكذب فإنه جماع كل شر. وقد قالوا: لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده. والغضب فإنه لؤم وسوء مقدرة وذلك أنه ثمرة لخلاف ما تهوى النفس... والجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها...وذموا الحسد كذمهم الجزع، لما يتعجل صاحبه من ثقل الاغتمام وكلفة مقاساة الاهتمام من غير أن يجدي عليه شيئا. فالحسد اغتمام والغدر لؤم."
فهل يعني هذه البراهين والوقائع أن حقيقة المشهد مفزعة وأن النزاع هو الوضع الأصلي للعلاقة بين الأنا والآخر؟ وإذا كان ذلك صحيحا كيف حافظ النوع البشري على نفسه ؟ ألم يقع إيقاف حرب الكل ضد الكل؟ وأليس هناك حالة مدنية ووضع سادت فيه قيم الصداقة والتعاون والحوار والتواصل؟ فماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر لنوقف التنازع والتباغض ونرسي قيم التآلف والتخاصب والتآنس؟ ومن أين تأتي هذه الصداقة العقلية؟ وكيف تتحقق الصداقة الكاملة؟ هل بممازجة النفسية أم بالمواتاة الخلقية؟
3- اتيقا الصداقة:
"عندما يتوجع صديقي أستطيع بلا شك إعانته بحركات ناجعة، أستطيع أن أرفه عنه بكلامي، أحاول أن أعوض بلطف حناني الألم الذي يمزقه."
هذه العلاقة بين الصداقة والغيرية تفطن إليها حكماء العرب في عصور الازدهار وجعلوا من مطلب الصداقة شغلهم الشاغل وقد وضع أبو حامد الغزالي شروط ودرجات في الألفة وذكر فوائد للأخوة وحقوق الصحبة وهي ثمانية :
- حق في المال بالمواساة والإنفاق والإيثار وحسن التصرف وقضاء الحاجات والإعانة والتفقد ورفع التكلف.
- حق يخص الجليس ويلزم السكوت عن الغيبة والقدح والعيب والتجسس والظن والحقد وإفشاء السر وسوء الاعتقاد وإظهار الجميل والحب والعفو عن الزلة والصدق والأمانة والموافقة.
- حق على اللسان بالثناء وإظهار الحب والإخلاص والنصح والتنبيه على المذموم والذب عن العرض وكف الأذى.
- حق يخص الصحبة ويتمثل في العفو واحترام القرابة واصطحاب الأتقياء والاعتذار والاقتداء بالأخيار والعتاب.
- حق الدعاء للصديق في غيابه أو حضوره والإعانة بالنفس ويكون بالزيارة والسؤال والمعايدة والتفقد وقضاء الحاجة.
- حق الوفاء والإخلاص والموافقة وصيانة الصحبة من الدسائس والجزع عند المفارقة.
- حق التيسير والتخفيف والمشاورة والحياء والأمانة والمعونة والبشاشة والرضا وسماع الكلام ومخالطة الأتقياء ورؤية الفضل للناس.
هذه الإتيقا كان قد ضبطها التوحيدي عندما أتى على ما يتصل بالوفاق والخلاف والهجر والصلة والعتب والرضا والمذق والرياء والتحقق والنفاق والحيلة والخداع والاستقامة والالتواء والاستكانة والاحتجاج والاعتذار ذاكرا ما يلي:" الكلام في الصداقة (يكون) على كرم العند وبذل المال وتقديم الوفاء وحفظ الذمام وإخلاص المودة ورعاية الغيب وتوقر الشهادة ورفض الموجدة وكظم الغيظ واستعمال الحلم ومجانبة الخلاف واحتمال الكل وبذل المعونة وحمل المؤونة وطلاقة الوجه ولطف اللسان وحسن الاستنابة والثبات على الثقة والصبر على الضراء والمشاركة في البأساء."
بقول الغزالي حول هذا الموضوع:" اعلم أن لألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق. فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر" ويضيف أيضا:"الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق، كالصحبة بسبب الجوار أو بسبب الاجتماع في المكتب أو في المدرسة أو في السوق أو على باب السلطان أو في الأسفار. والى ما ينشا اختيارا أو بقصد وهو الذي نريد بيانه." ويعترف بتغير مفهوم الصداقة من شخص إلى آخرك وبوجود درجات في القرب والتعلق بقوله:" وكذلك تتفاوت الصداقة ، فإنها إذا قويت صارت أخوة، فإن ازدادت صارت محبة، فإن ازدادت صارت خلة، والخليل أقرب من الحبيب، فالمحبة ما تتمكن من حبة القلب والخلة ما يتخلل سر القلب. وكل خليل حبيب وليس كل حبيب خليلا. وتفاوت درجات الصداقة لا يخفي بحكم المشاهدة والتجربة، فأما كون الخلة فوق الأخوة، فمعناه أن لفظ الخلة عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة."
إن آداب الصحبة تقوم عند الغزالي على الإيثار والسلام والنصح وحب الخير والتواضع والإحسان والخلق الحسن والتوقير والتلطف والاستئذان والإنصاف وطلاقة الوجه والوفاء بالوعد والشفاعة وتنزيل الناس منازلهم وإصلاح ذات البين والالتزام والاهتمام والكف عن الأذى والهجر والنميمة والتواضع والنظر إلى الناس بعين الرحمة وعدم استصغار أي كان وعدم معاداة الناس.
يدعو الغزالي إلى التعقل والتروي في اختيار الأصدقاء وتجنب مخالطة أصحاب النفوس الضعيفة والاقتداء بجودة الأدب في المعاشرة مع أصناف الخلق بقوله:"احذر صحبة أكثر الناس، فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النفير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير، ينتصفون ولا ينصفون، ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون، يغرقون الأخوان على الأخوان بالنميمة والبهتان، فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان. إن رضوا فظاهرهم الملق. وان سخطوا فباطنهم الحنق، لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجحون في ملقهم، ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب. يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون، يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم. ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة، بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد، فتجربه في عزله وولايته وغناه، وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم، أو تقع في شدة فتحتاج إليه فإن رضيته في هذه الأحوال ، فاتخذه أبا ل كان كبيرا أو ابنا إن كان صغيرا أو أخا إن كان مثلا لك."
في حين يشترط الجاحظ حسن المعاملة بين الشخصين لدوام الصداقة وقد ذكر من آداب الصحبة الصبر على أخطاء الصديق والحلم والرأفة به والصدق عند مخاطبته والوفاء له والبراءة في المؤانسة والنصيحة عند المشورة والاقتصاد في المزاح والزيارة والملازمة عند الشدائد والتكتم على أسراره، ونذكر في كتب:" الصدق والوفاء توأمان والصبر والحلم توأمان، فهن تمام كل دين وصلاح كل دنيا وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد. واحذر خصلة رأيت الناس قد استهانوا بها وضيعوا النظر فيها مع اشتمالها على الفساد وقدحها البغضاء في القلوب والعداوة بين الأوٍدّاء: المفاخرة بالأنساب...واعلم أن كثرة العتاب سبب لقطيعة واطراحه كله دليل على قلة الاكتراث لأمر الصديق. فكن فيه بين أمرين: عاتبه فيما تشتركان في نفعه وضره وذلك في الهينات، وتجاف له عن بعض غفلاته تسلم لك ناحيته."
والحق أن هناك صراع حقيقي داخل الطبيعة البشرية وعند الناس بعضهم مع بعض بين ميولات تنزع إلى العدوان والكراهية والتفكك وأفعال ترنو نحو التصالح والتخاصب وتمثل قوى اندماج وتوحد ويبدو أن الغلبة تكون إلى الطرف الثاني إذا ما توفرت جملة من الشروط وهي:
- الانفتاح على الغيرية والاعتراف بالآخر والإيثار وتشريع حق الاختلاف والعيش من أجل الآخرين ومعهم وفق مبادئ تشاورية تعاقدية يغلب عليه السلم والتسامح والتفاوض، في هذا الإطار يقول أوغيست كونت:"العيش من أجل الآخرين يوفر الوسيلة الوحيدة لتنمية الوجود الانساني بحرية".
- مراعاة آداب الوجود المشترك إلى نفس الكوكب والانتماء إلى الإنسانية جمعاء واحترام حق الزيارة وحق الإقامة وحق الضيافة بالنسبة لكل الفرد وقد صرح كانط في هذا الأمر:"حسن الضيافة يعني هنا الحق الذي للأجنبي حينما يصل بلدا غير بلده ألا يعامل معاملة العدو" ويبرهن على ذلك بأنه:"في الأصل ليس لأي إنسان حق أكثر من غيره في التمتع بمنافع الأرض."
- الذات هي بطبعها مفتوحة وحاجتها إلى الآخر جذرية لأن: "الجحيم كله في العزلة" كما يقول فيكتور هيغو ويسانده في ذلك برجيه الذي يرى أن:" حديقتي السرية سجن". أما أدغار موران فإنه يرى أن العلاقة مع الغير لا تستند على المجاملة والعلاقة السلمية بل هي قائمة بالقوة في علاقة الذات بذاتها وأنها عندما تشرع لوجود الغير معها فإن الأنا يصير هو الأخر ويمكنه أن يقحم الآخر ويدمجه في عالمه الخاص ويشعر تجاهه بالصداقة والحب والتعاطف.
- نقد التمركز على الذات والإيمان بالعيش سويا والعالم البيذاتي والنظر إلى الإنسان على أنه مشروع يسبق وجوده ماهيته وأن مسؤولية البشر مشتركة في بناء إنسانية كونية مفتوحة لا ينشد فيها كل فرد حريته إلا إذا نشد في نفس الوقت حرية الآخرين. وقد قال عنه جان بول سارتر:" هكذا سنكتشف عالما بيذاتية وفيه يقرر الإنسان ما يكون عليه الإنسان وما يكون عليه غيره."
- لا تبنى الصداقة الكاملة على العاطفة والحب والميل ولا على المنفعة والسلطة والجاه وإنما على الاحترام المتبادل والخيرية وكذلك على الفضيلة وحسن الخلق وقد ذكر أرسطو أن" الخيرية متى بدت متبادلة أصبحت صداقة" و"أن الصداقة الكاملة هي صداقة الناس الفضلاء الذين يتشابهون بفضيلتهم" وقد اشترط من أجل إنجاح الصداقة إرادة الخير للصديق والإفصاح عن المشاعر.
- الإنسان مدني بالطبع ويجب عليه الأخذ والعطاء والمعاشرة والمخالطة والمجاورة والمحاورة و"بيان هذا أنه لابد له من الإعانة والاستعانة لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه ولا يستقل بجميع حوائجه."
- تقتضي آداب الصداقة الاستعداد للمساعدة وتبادل المشاعر والتضحية من أجل الغير ومعاملته على أنه طرف ثالث بين الذات ونفسها خلال النجوى والشكوى ووقت الفرح والضيق. يطلب نيتشه من الصديق أن يكون قاسيا عليه ومخاصما وواضحا لا يحيط بنفسه بأي غموض، ويصرخ هنا: كن لصديقك الهواء النقي والعزلة والخبز والدواء" ويضيف:" إذ عليك أن تكون في نظره سهما ورغبة نحو الإنسان الأرقى" ويبرر ذلك بأن"الإنسان لهو شيء يجب التغلب عليه".
رأس الأمر في الإمعان في العداوة هو التمحور حول الأنا الذي ذكر فرويد عنه ما نصه:"إن شعورنا الراهن بالأنا ماهو إلا رسالة منكمشة لشعور واسع النطاق إلى حد أنه يعانق ويشمل كل شيء ويتطابق في اتحاد حميم للأنا بوسطه" . فهل تسهل عملية الترحال البراني للأنا نحو مبدأ الواقع الخروج من القوقعة الأصلية والاعتراف بالفضل للعالم الخارجي والشروع في ربط الصلة مع المجتمع؟ لكن لماذا يدعو نيتشه إلى شن الحرب على الصديق من أجل اكتسابه؟ وكيف ينبغي أن يحترم كل إنسان العدو القابع في صديقه؟ ألا نعود من جديد إلى العداوة التي تحكم العلاقة مع الآخر؟ وإذا مكنتنا الصداقة من اكتشاف حقيقة الغير هل تمنحنا الشروط الدائمة من التوقف عن التصادم معه؟
خاتمة:
"متى أحب الناس بعضهم البعض لم تعد حاجة إلى العدالة غير أنهم مهما عدلوا فإنهم لا غنى لهم عن الصداقة" أرسطو
الصداقة هي مطلب فلسفي بامتياز وقد ارتبطت بالعقل وعبر عنها مفهوم الفيلياphilia الإغريقية وقد أزهرت وبلغت مراميها بتقريبها من معانى الصدق والتقوى والصحبة والمؤانسة عند العرب والمسلمين وقد مهدت لظهور العدالة السياسية المداهمة لكل أشكال التفاوت واللامساواة وأسست الإنصاف الإتيقي المانع لكل إجحاف وتعسف، وتكتسب هذه المنزلة من كونها المانحة للغير لحق الوجود والباعثة لأفق مشترك بين الناس يعيشون دون تعصب وإقصاء ويبلغون مرتبة الإنية الأصيلة والوجود الأشرف عن طريق التراحم والتآنس. وقد قال عنها التوحيدي:"صديقي هو العقل وهو صديقكم أيضا ولو أطعتموه لسعدتم ورشدتم ونلتم مناكم في أولاكم وأخراكم، فأما الصديق الذي هو انسان مثلك فقلما تجده، فإن وجدته لم يف لك بما يفي به العقل، ولم يبلغ بك ما يبلغ بك العقل وربما أتعبك وربما حزبك وربما أشقاك."
انه من غير اللائق إذن أن تكون العلاقات بين البشر عدائية ومبنية على البغضاء والكراهية والحقد ومن غير اللائق بالإنسانية أن يتعولم الفقر والمرض والخوف وأن يحرق لهيب المصانع البيئة وتجرف عواصف العولمة تربة الأرض ولذلك حري بالمستخلفين أن يكونوا المؤتمنين حقيقة على هذا الكوكب العزيز وأن يتحملوا مسؤوليتهم الايكولوجية أمام أنفسهم ويتعاونوا على حمايته من التصحر والاندثار ولعل الاعتصام ب اتيقا الصداقة بين البشر هو أحسن الطرق الممكنة.
ما يجدر ملاحظته في هذا المقام أن الكينونة البشرية هي وصلات علائقية وأن المدنية لا تقوم دون صداقة وأن التفاهم بين الناس لن يسود دون حوار باستعمال لغة العقل وفي ذلك قال غادامير:" إن التفاهم ليس مجرد فعل بسيط يحتاج إلى وسيلة تصنع بها العلامات التي تسمح لي بإبلاغي طلباتي للغير بل هو سيرورة حية تعبر من خلالها جماعة حية عن نفسها".
تعتمد الصداقة على الحوار والجدل وتقصي العنف وترسي الفعل التواصلي والعقد الاجتماعي وتجعل الوجود الاجتماعي أكثر استقرار ويحلو فيه العيش وتنبذ التشاؤم والارتكاس وتحرض على التجدد والتفتح ولا تعني الصداقة تجاور المنتفعين ولا تعانق المحبين ولا مجالسة الندماء فهذه علاقات لا تدوم وتنتهي باستيفاء أغراضها وإنما نقصد صداقة المتوحدين الخيرين الفضلاء الذي في مرتبة وسطى بين الفقد والوجد وبين النقص والكمال وبين المحو والصحو ،هنا يرى أفلاطون أن الصداقة علاقة وجدانية تغمرها المودة والمحبة المتبادلة بين الطرفين ومنشؤها حالة وجودية وسطى بين الكمال المطلق أو الخير الأسمى والنقص المطلق أو الشر الجذري يكون فيها من يتصف بالكمال والخير المطلقين وهو الله مكتفيا بذاته وغير محتاج إلى غيره ومن يتصف بقدر ما من الخير يعتريه النقص في حاجة إلى التعاون مع الغير لسد حاجته وطلب الكمال وهكذا تكون الصداقة الإنسانية وسيلة للكائن الناقص لاستكمال ذاته.
لكن أرسطو يشير إلى الأرض ويرجع الصداقة إلى الواقع المعيش كتجربة في الحياة اليومية تحدث لكل كائن بشري ويميز بين صداقة المتعة وصداقة المنفعة وصداقة الفضيلة ويرى أن الصدقات الأولى والثانية واهية ودنيئة تنقضي بانقضاء الحاجة وتقلبها وتغيرها وأن الثالثة هي الصداقة الكاملة لأنها تحقق الخير للأنا والغير على السواء وهي تجربة يصطدم حب الذات بتفضيل الغير وينتصر الجوهر على الأعراض.
ولا يحبذ أرسطو إلا الوضع الوسط ويرى أن هذا الوضع يشبه الصداقة ويعلل بأننا أكثر استعدادا لقبول الشخص الذي ينتمي إلى هذا الوضع كصديق لنا إذا جمع إلى رغبته في التقبل الشعور بالميل إلينا.وعموما هناك بعض الناس يفعلون ما يجب وما ينبغي أن يفعلوه مع من يعرفونهم ومن لا يعرفونهم ليس لحب ولا لبغض ولكن لحرصهم على أن تكون معاملاتهم مع الآخرين كما ينبغي أن تكون المعاملة . وقد عرَف أرسطو الصداقة بأنها عطف متبادل بين شخصين حيث يريد كل منهما الخير للأخر مع العلم بتلك المشاعر المتبادلة فيما بينهما ورأى أن من كثر أصدقائه فلا صديق له لاسيما وأن الصديق هو من يعيش معك والذي يتحد وإياك في الأذواق والذي تسره مسراتك وتحزنه أحزانك وبذلك تقوم الصداقة على المعاشرة والتشابه والمشاركة الوجدانية وأكد على أن الصداقة لا تقوم فقط بين الأفراد والأشخاص بل تقوم بين الأمم والشعوب والدول والمنظمات والمدن ودعا إلى صداقة البشر. فما قيمة شخص محروما من الصداقة والحب ولا يعترف به أي احد آخر؟ أليس هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود؟ هل يعني ما كان قد قصده التوحيدي بقوله: الصديق آخر هو أنت"؟ الم يقل فيخته حول أهمية الصداقة في توجيه الإنسان نحو غايته ومصيره:لا تكون الحياة إلا في الحب فبدونه يكون الموت والعدم"؟
خير ما نختم به هو هذا الدعاء المستنير للتوحيدي:" اللهم نفق سوق الوفاء فقد كسدت وأصلح قلوب الناس فقد فسدت ولا تمتني حتى يبور الجهل كما بار العقل ويموت النقص كما مات العلم."



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الإنصاف في العداوة والصداقة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة :: ملتقى التعليم والثقافة-
انتقل الى: