ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
أهلا وسهلا بكم في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
عذرا /// أنت عضو غير مسجل لدينا الرجاء التسجيل

ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة

شهداء فلسطين
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بكتك العيون يا فارس * وبكتك القلوب يا ابا بسام
إدارة ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة ترحب بكم أعضاءً وزوارً في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
محمد / فارس ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقكم لمحزونون

شاطر | 
 

 آية الله في خلقه سورة البقرة 002

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو ايهاب حمودة
:: المشرف العام ::
:: المشرف العام ::
avatar

عدد المساهمات : 25191
تاريخ التسجيل : 16/08/2009

مُساهمةموضوع: آية الله في خلقه سورة البقرة 002    الإثنين نوفمبر 09, 2015 7:34 am


آية الله في خلقه سورة البقرة 002
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الرابع عشر من سورة البقرة.
كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة :
مع الآية السادسة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
أيها الأخوة الكرام، تعارف الناس على أن البعوضة لا قيمة لها، حشرةٌ حقيرة، يضربها الإنسان ويقتلها ولا شيء عليه، كما يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف:
(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))
[الترمذي عن سهل بن سعد ]
يبدو أن هذه الحشرة هيَّنةٌ على الناس، لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الشيء كلما صَغُر كلما احتاج إلى صنعةٍ بارعة، فقد تجد مذياعاً كبيراً فلا يثير دهشتك، أما إن رأيته صغيراً فإنه يستأثر باهتمامك، وأما إن رأيت ساعةً فيها مِذياع فإنك تزداد اهتماماً وانتباهاً، وتدرك أن فيها دقة صُنع.
أطلعني أخٌ كريم على جهاز كمبيوتر بحجم كف اليد فيه كل البرامج التي توضع في الكبير، وفيه اتصال دولي، وفيه إنترنت ـ شيء لا يُصدق ـ بحجمٍ صغير، فكلَّما صغرت الآلة كان وراءها صنعةٌ بارعة، هناك أحياناً آلات تصوير تُثَبَّت في قدَّاحة وتستخدم لأغراضٍ خاصَّة ؛ كآلة تصوير فقط، وأحياناً آلة تصوير متحركة، وقد تكون قطعة كحبة العدس تُلتَقط بها الأصوات وتُسَجَّل، فكلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ بارعة وأثار الاهتمام.
الإعجاز في خلق البعوضة:
توصل أحد العلماء قبل أشهر عديدة إلى جهاز يقيس عشرة مرفوعة إلى قوة خمسة عشر من أجزاء الثانية، أي رقم واحد أمامه خمسة عشر صفراً، أي ألف مليون ملْيون جزء من الثانية، هذه هي الثانية ضربة واحدة، هل بإمكان إنسان أن يَصل إلى تقسيم ثانية إلى ألف مليون ملْيون جزء ؟ أُعطي هذا الإنسان في جامعة في أمريكا الجائزة الأولى، يمكن أن يقاس الآن بهذا الجهاز زمن تفكك الذرة، وهناك تطبيقات كثيرة جداً، كلَّما دَق الأمر كلّما ظهر من خلاله عظمة الصانع، طبعاً الفيل كبير، والحوت الأزرق كبير يبلغ وزنه مئة وخمسين طناً، يحوي خمسين طناً لحماً، وخمسين طناً دهناً، ويستخرج من الحوت ما يقدر بتسعين برميلاً زيت سمك، وجبة غذائِهِ أربعة أطنان، وإرضاع صغيره ثلاثمئة كيلو في كل رضعة، هذا شيءٌ ضخم، أما حينما ترى نملة ؛ فيها دماغ، وفيها ذاكرة، وفيها جهاز هَضم، وفيها جهاز إفراز، وفيها جهاز مَعرفة، وفيها جهاز شمّ، لها نشاطات مخيفة، حينما ترى نحلة صغيرة، حينما ترى بعوضة، فما عليك إلا أن تلوذ بقوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً (26) ﴾
البعوضة أيها الأخوة لها ثلاثة قلوب، قلبٌ مركزي وقلبٌ لكل جناح، هذا القلب يُمِدُّ الجناح بطاقةٍ تجعله يرِفُّ أربعة آلاف رفةٍ في الثانية، هذه البعوضة عندها جهاز رادار، ففي ظُلمة الليل ينام طفلان على سريرهما تتجه البعوضة إلى الطفل مباشرةً دون أن تتجه إلى وسادة أو إلى ركن في الغرفة، الآن لديها جهاز رادار يكشف لها الكائن الحي فإذا وصلت إليه حلَّلت دمه، هناك دمٌ لا يُناسبها، قد ينام أخوان على سرير واحد، يفيق أحدهما، وقد أُصيب بمئات لدغات البعوض، والثاني سليم، إذاً عندها جهاز تحليل دم، تأخذ الدم الذي يناسبها، وتدع الذي لا يناسبها، والبعوضة من أجل أن تأخذ هذا الدم لا بد أن تميَّعه لأن الكرية الحمراء أوسع من خرطوم البعوضة، فلا بد من أن تميع الدم حتى يجري في خرطومها، فإذا لدغت البعوضة هذا الطفل استيقظ وقتلها فلا بدّ أن تخدره، متى يشعر الإنسان بلدغ البعوضة ؟ بعد أن تطير، يضربها من دون فائدة لأنها تكون قد طارت، فهذه البعوضة الصغيرة فيها جهاز رادار، وجهاز تحليل، وجهاز تمييع، وجهاز تخدير، ولها جناحان يرفَّان أربعة آلاف رفَّة في الثانية، ولها ثلاثة قلوب ؛ قلبٌ مركَّزي، وقلبٌ لكل جناح، وبإمكان البعوضة أن تقف على سطحٍ أملس عن طريق محاجم كالمِشْجَب الذي يثبت على البلور بتفريغ الهواء، تضغط البعوضة المحجم فيتفرغ الهواء فيثبت، وللبعوضة مخالب أيضاً.
طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه عُزِيَ إلى الله مباشرةً:
أجرى بعض علماء الطيران مقارنة بين أعظم طائرة صنعها الإنسان وبين البعوضة في المناورة، فكانت قدرات البعوضة والذبابة أعلى من أي طائرة صنعت، لاحظ الذبابة في أثناء طيرانها بسرعة عالية تأخذ زاوية قائمة فجأةً، وقد ترجع فجأةً، وقد تصعد إلى عَلٍ فجأةً، وبإمكان الذبابة أن تَحُطَّ على السقف، تضع أرجلها على السقف فتثبُت، وعندها قدرة على المناورة تفوق أعظم طائرة صنعها الإنسان.
قرأت ذات مرة في موسوعة علميَّة عن الطيران، موسوعة مترجمة من دار علوم مُحترمة جداً في أمريكا، كُتِبَ على أول صفحة في هذه الموسوعة: إنَّ أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترتقي إلى مستوى الطائر، يطير الطائر أحياناً مسافة تقدر بست وثمانين ساعة بلا توقُّف، يقطع الطائر من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها تقريباً سبعة عشر ألف كيلو متر، يُهاجر صيفاً وشتاءً، يهتدي الطائر إلى هدفه بشكلٍ غير معروف حتى الآن، وضِعَت عشرات النظريات لتفسير اتجاه الطائر نحو هدفه ؛ تفسير الجاذبية، تفسير الشمس، تفسير التضاريس ،وكل هذه التفاسير حارت ولم تقف على قدمين، لذلك قال تعالى:
﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ (19) ﴾
( سورة الملك )
عُزِيَ طيران الطائر واتجاهه نحو هدفه إلى الله مباشرةً، فلا توجد نظرية صمدت، قد يؤخذ الطائر قبل أن يرى النور من لندن أو من بريطانيا ويُرْسَل إلى الصين، واتجاه الطيور في الرحلات كلّها شمال جنوب، جنوب شمال، فهذا الطائر الذي لم ير النور يطير من الصين إلى بريطانيا، الطائر الذي غادر عُشَّه مثلاً في دمشق وانتقل إلى جنوب إفريقيا، لو تغيَّرت الزاوية في طريق العودة درجة واحدة لجاء في بغداد، درجة نحو اليسار لجاء في القاهرة، يصل إلى دمشق وإلى حي الصالحية، وإلى بيتٍ في أحد أحياء حي الصالحية إلى عشه، ما هذه القدرة ؟
﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ (19) ﴾
( سورة الملك )
البعوضة هينةٌ على الناس ولكن فيها من الأجهزة ومن دقَّة الصُنع ما لا يُوصَف:
أيها الأخوة، كلَّما صغر الجسم عظمت دقة الصنعة فيه، الآن فيروس الإيدز يتحدى العالَم كلّه، لم يستطع الإنسان بكبريائه، بجبروته، بتقدُّمه العلمي، بإنفاقه المذهل على البحوث العلمية أن يصل إلى مصل مضاد للإيدز، مع أن هذا الفيروس أضعف فيروس على الإطلاق، يموت إذا خرج من الإنسان على بعد عشرة سنتيمترات، لكنه إذا دخل الجسم يدخلـه بثيابٍ مموَّهة، يدخله بشكل الكرية البيضاء فلا أحد يُعاكسه، فإذا تمكَّن التهم كل الكريات البيضاء، قد يُبذل ألف مليون دولار لتطوير أبحاث للوصول إلى مصل مضاد لهذا الفيروس، ولكنه يُغَيِّر شكله فتذهب كل هذه الأموال أدراج الرياح، وله سُلالات، وقد شاءت حكمة الله أن يكون هذا المرض عقاباً لا ابتلاءً، بقدر ما هو خطير ومميت بقدر ما تكون الوقاية منه سهلة، يكفي أن تستقيم وانتهى الأمر، انتهى المرض.
هذه الآية أيها الأخوة التي تتحدث عن البعوضة، على صغرها وضآلة شأنها وهوانها على الناس، فلو قتل الإنسان خطأً هرَّةً في الطريق بسيَّارته فإنه يضطرب ويتألَّم، يقول: لعلِّي أخطأت، لعلِّي تساهلت، لعلِّي لم أكن منتبهاً، يا ترى هل الله سيُحاسبني ؟ هل أدفع مبلغاً من المال صدقة ؟ أما إذا قتل بعوضة فهو لا يشعر بشيء أبداً، وكأنه لم يفعل شيئاً أبداً لهوانها على الناس، ومع أن هذه البعوضة هينةٌ على الناس، فإن فيها من الأجهزة، وفيها من دقَّة الصُنع والإبداع ما لا يُوصَف، تذكرنا هذه البعوضة بقوله تعالى:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3) ﴾
( سورة الملك )
ليس التفاوت هنا في الصنعة، فهناك مثلاً شركة تصنع مُعِدَّات منزلية والشركة نفسها تصنع معدات صناعية، المُعدات المنزلية استعمالها قليل جداً، لذلك معدنها رخيص وأجهزتها بسيطة، أما المُعدات الصناعية فهي غالية جداً لأنها مصمَّمة أن تعمل ليلاً ونهاراً.
صنعة الله متقنة لا تفاوت فيها :
المعمل يصنع مادَّة مُعتنى بها كثيراً، ومادَّة مُعتنى بها قليلاً، أما لو دققت في صنعة الله عزّ وجل فإنك لا تجد صنعةً متقنةً وصنعةً أقلّ إتقاناً:
﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (3) ﴾
( سورة الملك )
التفاوت في الحجم قائم، هناك بعوضة، وهناك فيل، ولكن ليس هناك من تفاوتٍ إطلاقاً في إتقان الصنعة.
أيها الأخوة الكرام، المؤمن كل شيءٍ يدلُّه على الله، نحن أمام موضوع دقيق جداً، إنَّك إن أردت أن تعرف الله فكل شيءٍ يدلُّك عليه، وإن لم ترد أن تعرفه فإنك لو التقيت مع سيد الأنبياء ورأيته رأي العين، وجلست إليه، وحادثته، لما قنعت، ولما آمنت، لو رأيت منجزات العلم كلَّها الآن، لو ذهبت إلى أكبر مرصد الآن في العالَم لحار عقلك.
زارنا أخ اليوم مختص بالفلك في أمريكا، حَدَّثنا شيئاً لا يُصدَّق ؛ يبلغ طول ألسنة اللهب لبعض الشموس مئة وخمسين ألف سنة ضوئية، توجد شموس تزيد عن حجم شمسنا اثنين فاصلة اثنين بليون (2.2بليون) مرَّة عن حجم شمسِنا، ذكر أرقاماً لا تُصدق، فقلت: سبحان الله أهذا الإله العظيم يُعصى ؟
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (28)﴾
( سورة فاطر: آية " 28 " )
إن نجم قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، وهناك أكثر من مليون ملْيون مجرة، ومعنى مجرَّة أي فيها قريب من مليون كوكب، ومجرتنا درب التبّانة صغيرة جداً جِداً بالنسبة لغيرها من المجرات، ومع ذلك حين نقرأ عنها تهولنا المعلومات التي تطالعنا.
صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه وفي أصغر شيءٍ صنعه :
أيها الأخوة الكرام، صنع الله متقن في أكبر شيءٍ صنعه، وفي أصغر شيءٍ صنعه، بل إنَّ قوله تعالى:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
هذه تشمل الذرَّة والمجرَّة، هناك كهارب في الذرة تسبح حول النواة، وفي المجرَّات هناك كُتَل كبيرة جداً تسبح حول مركزها بسرعة قريبة من سرعة الضوء.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ﴾
قال العلماء:
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾
أي فما أصغر منها، فوقها في الصِغَر، البعوضة تراها بالعين، ولكن هناك كائنات كالجراثيم لا تراها، والفيروسات أصغر، الحشرات تراها، أما الجراثيم فلا تراها، الجرثومة هي أصل كل الأمراض، إنك لا ترى الجراثيم التي هي أصل المرض، ولكنك ترى فعلها، الفيروس أصغر من الجرثوم، الآن بعد اختراع المجاهر الإلكترونية، فإن المجهر يكبر أحياناً مئتي مرَّة، وهناك مجهر يكبّر أربعين ألف مرَّة، حينما يُكَبَّر الجلد تجد أنه كالغابة فيها تلال ووديان، وسهول وهضاب ، وأشجار هي الشعر، إذا كبَّرنا نقطة من الجلد، إذا كبَّرنا نقطة من غِشاء المعدة، من جدار المعدة، إذا كبَّرنا نقطة من الدماغ، فإن الشيء الذي تراه شيءٌ لا يُصدق أبداً، الآن توجد صور لهذا المِجهر الإلكتروني، إنك تشاهد بواسطته فتبدو لك الخلية.
الخلية بناء قائم بذاته، عالَم قائم بذاته، والخلية لا تُرى بالعين، لذلك كلَّما صغر الشيء احتاج إلى صنعةٍ عاليةٍ جداً، لهذا قال الله تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾
( سورة الحاقة )
الذي لا تبصره أضعاف الذي تبصره، فأنت إذا أمسكت بكأس ماء ماذا تبصر ؟ تبصر ماء صافياً، ماء عذباً، فراتاً، نقياً، شفَّافاً، لو صوَّرت هذا الماء تحت المجهر لرأيت فيه من الكائنات الحيَّة ما لا يُحصى، هذا الذي لا نُبصره.
عظمة الله في خلقه :
أيها الأخوة، أراد الله سبحانه وتعالى من هذا المثل أن يلفت نظرنا إلى أن هذه الحشرات التي لا شأن لها عندكم، وهي مخلوقاتٌ عظيمةٌ جداً، فليس هناك من حرجٍ أن يضربها الله مثلاً، لكن أريد أن أُثَبِّت هذه الحقيقة إن لم يرد الإنسان أن يعرف الحقيقة فهو لا يصل إليها، ولو كان إنساناً ذكياً جداً، ويحمل أعلى شهادة في الأرض، يعمل في الكيمياء، يعمل في الطبيعيات، يعمل في أبحاث الفَلك ويرى بالمراصد الشيء الذي لا يُعقل، ثم يتعامى عما يرى أحياناً، قد يرى الإنسان في ليلة مظلمة شيئاً كالغبار في السماء، هذا الغبار هو المجرَّة، ملايين الملايين من الكواكب يرى على شكل غبار، فليس كل شيء لا تراه غير موجود، أي إنَّ عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، أنت ماذا ترى ؟ ترى الشمس تدور بينما هي ثابتة بالنسبة إليك، أنت الذي تدور، الشمس تدور حول نقطة، الله قال:
﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
( سورة الأنبياء: آية " 33 " )
كم تحتاج الشمس من زمن لتُتِمَّ دورتها ؟ تحتاج الشمس لمئتي مليون سنة من أجل أن تدور دورة حول كوكبٍ ما، فالحقيقة نحن في كونٍ لا تتناهى أبعاده، ذكرت قبل قليل ما هذا الرقم ؟ شيء مذهل حقاً ! مجرَّة تبعد عنّاً ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، هذه عظمة الله، ولو وصلت إلى كُنهِ هذه البعوضة وأقل من البعوضة أي إلى الجرثوم، وأقل من الجرثوم إلى الفيروس لوجدت العجب العُجاب.
كل ما في الكون يدل الإنسان على الحقيقة :
على كلٍ كلَّما تناهت الأشياء في الصغر تحتاج إلى صانعٍ متقن، فيها صنعةٌ دقيقة، والأشياء الصغيرة غالِّية جداً، توجد أجهزة تسجيل صغيرة، أجهزة راديو صغيرة أسعارها مرتفعة جداً، حتى أنت قد تجد كمبيوتراً كبيراً، شاشة كبيرة، وجسماً للكمبيوتر، وأحياناً تجد كمبيوتراً يوضع كله في محفظة، وأحياناً بحجم كفِّ اليد، كلَّما صغر الجهاز رأيت صنعةً غاية في الإتقان، هذا هو مغزى هذه الآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ﴾
﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾
أي فما أصغر منها، بل فما فوقها في الصغر حسبما قال العلماء، قال تعالى :
﴿ فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
هنا إذا أراد الإنسان معرفةً الحقيقة دلَّه عليها كل شيء، وإذا أعرض عن الحقيقة فإنه لو مكث في أعظم مرصد في أمريكا عمره كله، ولو دخل إلى أدق مخبر في العلوم الطبيعية ؛ رأى الخليّة، رأى النُسُج الحّية، رأى تفاعل المواد، لو أُتيحت كل المعلومات بين يديه فإنه لا يؤمن، وأدق مثل لذلك: آلة تصوير بسيطة جداً ورخيصة جداً، إذا أراد صاحبها أن يستخدمها ووضع فيها الفيلم فإنه يلتقط المناظر التي أمامها، والذي يرفض الحقيقة كإنسان معه آلة ثمنها مليون ليرة ولكنها دون فيلم، هو إنسان مثقف ثقافة عالية جداً، ولكنه لم يرد الحقيقة، بين يديه معلومات مذهلة، بين يديه آيات يقشعر منها الجلد ومع ذلك لا يستفيد منها شيئاً، فالعبرة: أنك أنت إذا أردت الحقيقة وصلت إليها، وإن لم تردها فعليك إثم نفسك !!
خلق الله الإنسان مخيراً ولأنه مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً:
بعوضة ؛ يسمع هذه الكلمة إنسان فاسق فيقول:
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
يقول ساخراً أهذا قرآن !!! ؟ هكذا قال الكفَّار: الإله العظيم يذكر بعوضةً ؟ يذكر ذبابةً ؟ يذكر العنكبوت، هل من المعقول أن يذكر إنسان عظيم هذا في كلامه ؟
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
قيل: كل شيء في الكون حيادي:
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
آية واحدة يرفضها إنسان ويهتدي بها إنسان، آيةٌ واحدة يذوب إنسان خشوعاً لله من خلالها وإنسان آخر يستهزئ بها، خلقك الله مخيراً ولأنك مخير فإن كل شيءٍ في الكون مصممٌ ليكون حيادياً، يُستخدم سُلماً ترقى به، أو دركاتٍ تهوي بها:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
ما هو الحق ؟ الحق خلاف الباطل، ما هو الباطل ؟ الباطل زهوق زائل، والباطل عابث.
تناقض الحق مع الباطل و العبث:
قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) ﴾
( سورة الدخان )
وقال:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة الأحقاف: آية " 3 " )
ربنا عزّ وجل نفى أن يكون خلق السماوات والأرض باطلاً، الباطل الشيء الزائل، ونفى أن يكون خلق السماوات والأرض عبثاً، فالعبث الشيء غير الهادف، ولكن الله جلَّ جلاله خلقهما بالحق، فالحق يتناقض مع الباطل ويتناقض مع العبث، فالحق لا عبَث فيه ولا بطلان، الشيء الثابت الهادف، إذا قلنا:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة الأحقاف: آية " 3 " )
أي لابس الحق خلق السماوات والأرض، أحياناً إذا أنشأنا جناحاً في المعرض لمدة أسبوعين فإننا نضعه من القماش، أما حينما ننشئ جامعة فإننا ننشئها من حجر، هذه الجامعة أُنشئت لتبقى، أما هذا الجناح في المعرض أنشئ ليُهدم بعد أسبوعين، فكلمة بالحق أي أن الله عزّ وجل خلق الكون ليبقى، قال:
﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ (3) ﴾
( سورة العنكبوت )
النفس تذوق الموت ولا تموت، وفرقٌ كبير بين أن تذوق النفس الموت وبين أن تموت، النفس تَخْلُدُ إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها.
النمل والنحل من آيات الله الدالة على عظمته:
صارت القضية: هل تريد الحقيقة ؟ إذاً كل شيءٍ يدلَّك على الله حتى البعوضة، حتى الذبابة، حتى النملة، النمل مثلاً يعمل دائماً أعمالاً عدة متنوعة، وهو في أدبه أعجوبة تكاد لا تُصدق، النمل يزرع، النمل يربِّي المواشي، النمل يُنشئ صوامع الحبوب، يقيم الجسور، يَشُقُّ الطُرُقات، النمل يُعَلِّم، عنده قِطاع تعليم، النمل يخزِّن، النمل يعالج المرضى، وعند النمل مكتب لدفن الموتى، تُسحب النملة الميتة وتُدفَن، وعند النمل كذلك جيش يحرس الملكة، ويرُدُّ العدوان، هناك نمل رُحَّل يتنقل من مكانٍ إلى مكان، ونمل يعيش في بيوت ثابتة، وهناك نمل يعيش على العمل، ونمل يعيش على الغزو، وهناك شيء في النمل لا يُصدق، النملة عندها جهاز ضخ وجهاز مص فإذا لقيت نملةً جائعة وضعت فمها في فمِها وضخت لها من خلاصة غذائها، يوجد عند الإنسان مص فقط وليس عنده ضخ أما النمل فعنده جهاز مص وجهاز ضخ، والله هناك شيءٌ عن النمل يكاد لا يُصدَّق، إذا رأت النملة أنها في خطر فإنها ترسل إشارة كيماوية إلى من حولها، إذا كان موتها محقَّقَاً ترسل إشارة تحذير ؛ ابتعدوا عن المجزرة، وإذا كانت نجاتها محققة ترسل إشارة استغاثة ؛ تعالوا إلي أنقذوني، والله عزّ وجل أثبت لها الكلام، وأثبت لها المعرفة:
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾
( سورة النمل )
النملة اجتماعية، إذا وضعت النملة في بيت فيه طعام وشراب بشكل كامل لوحدها، فإنها تموت بعد عشرين يوماً وحشةً، هناك نظام دقيق جداً للنمل، قال تعالى:
﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (38) ﴾
( سورة الأنعام: آية " 38 " )
النحلة ترقص رقصة لتُحدد مكان الأزهار والمسافة والجهة، وهناك رقصة ثانية للكثافة والجهة، والمسافة برقصة، والكثافة برقصة.
من يتخذ قراراً بالإيمان فكل ما في الكون يدله على الله :
أيها الأخوة، يوجد في هذه الآية موضوع خطير جداً، يقول الله عزّ وجل:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
قف معي أمام مثلٍ واحد، آية كونية، حشرة، حيوان، نبات، هذه الآية يؤمن أُناس بالله من خلالها وأناس غيرهم يستهزئون بها، بين أن تؤمن وبين أن تستهزئ مسافة كبيرة جداً، جداً كبيرة، فما السر في ذلك ؟ لماذا قرأ فلان عن البعوضة فبكى خشوعاً لله، وسمع إنسان هذه الآية فاستهزأ ؟
﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
أحياناً تتكلَّم بكلام أمام جمع يؤيدك إنسان ويعترض إنسان عليك، إنسان يقبل وإنسان يرفض، ما سرُّ ذلك ؟ الجواب هنا:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (26) ﴾
ما معنى آمنوا ؟ أي اتخذوا قراراً بالإيمان، أرادوا الحقيقة، فإن أردت الحقيقة فكل شيءٍ يدَلَّك على الله.
من لم يرد الحقيقة فإنه يستهزئ بها:
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا (26) ﴾
أي أعرضوا عن طلب الحقيقة، لا يريدون الحقيقة بل يريدون الشهوة:
﴿ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
اجلس مع إنسان طالب للحقيقة وحدّثه عن المجرَّات فإنه يبكي، بينما يقول لك إنسان آخر: كم ثمن الدولار اليوم ؟ هذا الموضوع كلَّه ليس له علاقة به، ما يهمه هو سعر العملات، البيوت والسيارات، التجارة والربح، الشهوات والمقاصف، فكل إنسان له وجهة هو موليها، الذي أراد الحقيقة فإن كل شيء يدلُّه على الله، والذي لم يردها فإنه يستهزئ بها:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً (26) ﴾
والحقيقة واضحة مشرقة.
قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك :
الشيء الواحد قد يؤدي إلى ضلال من يضل وهداية من يهتدي، قال تعالى :
﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
هل التغيُّر حاصل من الشيء أم من الإنسان ؟ ليس من الشيء لأن الشيء واحد ؛ بعوضة، إنسان ازدادت معرفته بالله من خلالها وإنسان استهزأ بها، والبعوضة هي هِي، معنى هذا أن التبدُّل ليس من البعوضة، ولكن مِنَ الذي ينظر إليها:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
حينما يَفْسُق الإنسان لا يحب الحقيقة، حينما يفسق يرُدُّ الحق، حينما يفسق يستهزئ بالآيات، حينما يفسق يشمئزُّ إذا ذُكِر الله وحده، حينما يفسق تأخذه العزة بالإثم، فعندنا معنى خطير جداً، قبولك للحق أو رفضك له متعلق باستقامتك، لأن غير المستقيم يدافع عن انحرافه، وغير المستقيم اختل توازنه، فكيف يستعيده ؟ يقول: هؤلاء الديِّنون على خطأٍ عظيم ظناً من أن ذلك يجعله يتوازن، دائماً وأبداً يطعن المُنحرف بالمستقيم حتى يرتاح، لا يرتاح إلا إذا طعن بالمستقيم، الكافر يطعن بالمؤمن حتى يتوازن، فلذلك الشيء واحد آية واحدة ؛ الشمس، القمر، الليل، النهار، الفيل، الحوت، البعوضة، النملة، الذبابة، العَنكبوت، هل تُصَدِّق أن العنكبوت تنسُج خيطاً لو سُحِب الفولاذ بقطر هذا الخَيط لكان خيط العنكبوت أمتن من الفولاذ ؟ وأوهن بيتٍ لبيت العنكبوت، فالضعف التي أشارت إليه الآية اجتماعي لوجود خلاف عميق جداً بين الزوجين فبيت العنكبوت ضعيف لأن فيه انهياراً داخلياً، وأما خيط العنكبوت فهو متين جداً.
الذي يريد ألا يسمع هو أشد الناس صمَماً :
أيها الأخوة، آيةٌ واحدة يطير المؤمن إلى الله بها، يذوب خشوعاً بها، وإنسان آخر يستهزئ، التفسير: إن أردت الحقيقة كل شيءٍ يدلَّك عليها، وإن رفضتها فإنك لو رأيت الآيات كلِّها وجهاً لوجه فإنك لن تستفيد، أليس هناك أناس عاشوا مع النبي ؟ هل هناك في البشرية كلِّها إنسانٌ أعظم من النبي ؛ من خلقه، فصاحته، علمه، أدبه، أخلاقه، نورانيته، ومع ذلك هناك من عاداه، وهناك من كرهه، وهناك من قاتله، فصار هناك معركة أزليه أبدية بين الحق والباطل، اذكر للكافر آية كونية يقول لك: الآن لا تُضيع وقتك، شيء واضح تماماً إذا كنت متحمِّساً لآية كونية، متحمِّساً لقضية دينية، متحمِّساً لعمل إسلامي كبير فإنه لا يلقى عند الكافر إلا السُخرية والاستهزاء، ولكنه يلقى عند المؤمن التعظيم والإكبار والعمل واحد، فصار التحوُّل وتناقض المواقف ليس من الشيء بل من الإنسان، إن أردت الحقيقة عرفتها، وأعانك عليها كل شيء، وإن رفضتها ما من حقيقةٍ يمكن أن تقنعك عندئذِ.
يقول أحد الحكماء: " لم أجد أشد صمماً من الذي يريد ألا يسمع "، الذي يريد ألا يسمع أشد الناس صمَماً، فالكافر رفض الحقيقة، فإذا عرضت عليه آية كونية، مجرَّة، بحر، تيَّار الخليج، البرزخ بين البحرين فإنه يزداد سخريةً واستهزاءً:
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (26) ﴾
عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل:
أما الشيء الخطير، والله أيها الأخوة افتتاح الآية بهذه الكلمة:
﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) ﴾
انظر، إن فَسَق الإنسان ردَّ الحق، وإن آمن قبِل الحق، وجرِّب الجلوسَ مع إنسان أخلاقي مستقيم، وحدثه بحديث كتاب الله، تجد أنه قبِل هذا الكلام، وأثنى عليك، وانهمرت دموعه، اجلس وكلِّم إنساناً فاسقاً، وشارباً الخمر، وزانٍ، فإنه يردُّ عليك رداً قاسياً، يسخر من هذا الكلام، معنى ذلك أن عند المؤمن المستقيم استعداد لقبول الحق، وعند الفاسق استعداد لقبول الباطل، فلو عرضت عليه الحق لرفَضَه، هذا الذي أقوله لكم تؤَكِّده الآية الكريمة:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾
( سورة الماعون )
وتؤكده الآية الثانية:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (50) ﴾
( سورة القصص: آية " 50 " )
وتؤكده الآية الثالثة:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾
( سورة العلق )
أين التتمة ؟ انتهت الآية، أي أرأيت إلى دناءته ؟ أرأيت إلى نقض عهده ؟ أرأيت إلى حبِّه لذاته ؟ إلى عجرفته ؟ إلى كبره ؟ سلوكه يكفي، لذلك الفاسق يرُدُّ الحق والمؤمن يقبله، الفاسق تتأبى نفسه أن يقبل الحقيقة.
من المهم أن تكون ذا هيئة حسنة دون أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس:
كان لأحد الصحابة مظهر حسن، فخاف على نفسه أن يكون مخطئاً، فقال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
(( إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَناً وَنَعْلِي حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وغمس النَّاسَ ))
[الترمذي عن عبد الله ]
الكبر أن ترد الحق ، أن تكون أكبر من أن تُصَلِّي، أكبر من أن تصوم، أن تكون أكبر من أن تكون عبداً لله، أن تستنكِف عن عبادة الله وتستكبر، هذا هو الكِبر، وأن تحتقر الناس، أما إنسان تعجبه الهيئة الحسنة يعجبه الثوب الأنيق فإنَّ هذا مطلوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ ))
[ أحمد عن أبي الدرداء]
مطلوب إذاً أن تكون ذا هيئةٍ حسنة في مظهرك، لكن ليس مطلوباً أن تكون راداً للحق ولا مضطهداً للناس.
أيها الأخوة الكرام، هذه آيةٌ من آيات الله الدالة على عظمته، وأنا أرى أن في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية كونية، ولا يليق بالله عزّ وجل أن يقول كلاماً لا معنى له، لماذا ذكر هذه الآيات ؟ تكاد تكون هذه الآيات سُدُسَ القرآن، كأن الله أرادنا أن نعرفه من خلال خلقه، فهذه البعوضة التي لا تُعجبك فيها هذه الأجهزة، وهذه الأعضاء، وهذه الخصائص، وهذه النملة التي تكاد ألا تراها لصغر حجمها، النملة فيها دماغ، فيها قلب، فيها جهاز هضم، كل شيء في هذه النملة على صِغَرِها، وكلَّما صغر الشيء كان وراءه صنعةٌ أدق، وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) ﴾

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
آية الله في خلقه سورة البقرة 002
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة :: الفئات العامة :: الملتقى الإسلامي-
انتقل الى: