ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
أهلا وسهلا بكم في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
عذرا /// أنت عضو غير مسجل لدينا الرجاء التسجيل

ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة

شهداء فلسطين
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بكتك العيون يا فارس * وبكتك القلوب يا ابا بسام
إدارة ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة ترحب بكم أعضاءً وزوارً في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
محمد / فارس ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقكم لمحزونون

شاطر | 
 

 لَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو ايهاب حمودة
:: المشرف العام ::
:: المشرف العام ::
avatar

عدد المساهمات : 25191
تاريخ التسجيل : 16/08/2009

مُساهمةموضوع: لَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ   الأحد أكتوبر 25, 2015 1:55 am


لَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
تفسير بن كثير
يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا في الجاهلية يقولون إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده في القدر، وهكذا كل عام فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى وفي الآخرة، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا اللّه والرسول لعلكم ترحمون} ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن في معنى قوله: { عرضها السموات والأرض} تنبيهاً على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: { بطائنها من إستبرق} أي فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: (إذا سألتم اللّه الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن) وهذه الآية كقوله في سورة الحديد: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية. وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : (سبحان اللّه فأين الليل إذا جاء النهار) وهذا يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث شاء اللّه عزّ وجل، وهذا أظهر، الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال اللّه عزّ وجلّ: { كعرض السموات والأرض} والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم. ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء} أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية} ، والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة اللّه تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} ، أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفو مع ذلك عمن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول تعالى يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك) "رواه ابن أبي حاتم" وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصُرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) "أخرجه الإمام أحمد" وقال الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)، قالوا: يا رسول اللّه ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: (اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالَكَ من مالِكَ إلا ما قدمت، وما لوارثك إلا ما أخرت) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما تعدون الصرعة فيكم! قلنا الذي لا تصرعه الرجال، قال: (لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب) قال، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتدرون ما الرقوب) قلنا الذي لا ولد له، قال(لا، ولكن الرقوب الذي لا يقدم من ولده شيئاً) "رواه أحمد وأخرج البخاري النّص الأول منه". حديث آخر قال الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنَس عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللّه على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء) حديث آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه جوفه أمناً وإيماناً) فقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ} أي لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند اللّه عز وجلّ، ثم قال تعالى: { والعافين عن الناس} أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال ولهذا قال: { واللّه يحب المحسنين} فهذا من مقامات الإحسان. وفي الحديث: (ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة، وما زاد اللّه عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع للّه رفعه اللّه) وروى الحاكم في مستدركه، عن أُبّي بن كعب، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ومن سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصلْ من قطعه) وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس، هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة) "أخرجه ابن مردويه" وقوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. قال الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال اللّه عزّ وجلّ: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفر لي، فقال عزَّ وجلَّ: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال اللّه عزّ وجلّ عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء) وعن علي رضي اللّه عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حديثا نفعني اللّه بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر رضي اللّه عنه حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللّه عزّ وجلّ إلا غفر له) "رواه أحمد وأهل السنن وابن حبان" ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) عن أنَس رضي اللّه عنه قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم} بكى. وعن أبي بكر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون) "رواه الحافظ أبو يعلى" وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقوله تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا اللّه} أي لا يغفرها أحد سواه، وقوله: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى اللّه عزّ وجلّ عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة) "أخرجه أبو داود والترمذي والبزار" { وهم يعلمون} أن من تاب تاب اللّه عليه وهذا كقوله تعالى { ألم يعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة عن عباده} وكقوله: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد اللّه غفوراً رحيماً} ونظائر هذا كثيرة جداً، ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} أي جزاؤهم على هذه الصفات { مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار} أي من أنواع المشروبات، { خالدين فيها} أي ماكثين فيها، { ونعم أجر العاملين} يمدح تعالى الجنة.
تفسير الجلالين
{ الذين ينفقون } في طاعة الله { في السراء والضراء } اليُسر والعسر { والكاظمين الغيظ } الكافين عن إمضائه مع القدرة { والعافين عن الناس } ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم { والله يحب المحسنين } بهذه الأفعال، أي يثبهم .
تفسير الطبري
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } أُعِدَّتْ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلْمُتَّقِينَ , وَهُمْ الْمُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه , إِمَّا فِي صَرْفه عَلَى مُحْتَاج , وَإِمَّا فِي تَقْوِيَة مُضْعَف عَلَى النُّهُوض لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّه . وَأَمَّا قَوْله : { فِي السَّرَّاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فِي حَال السُّرُور بِكَثْرَةِ الْمَال , وَرَخَاء الْعَيْش وَالسَّرَّاء : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ سَرَّنِي هَذَا الْأَمْر مَسَرَّة وَسُرُورًا ; وَالضَّرَّاء : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ ضُرَّ فُلَان فَهُوَ يُضَرّ إِذَا أَصَابَهُ الضُّرّ , وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُ الضِّيق وَالْجَهْد فِي عَيْشه . 6216 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبَى , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } يَقُول : فِي الْعُسْر وَالْيُسْر . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا لِمَنْ اِتَّقَاهُ وَأَنْفَقَ مَاله فِي حَال الرَّخَاء وَالسَّعَة وَفِي حَال الضِّيق وَالشِّدَّة فِي سَبِيله . وَقَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } يَعْنِي : وَالْجَارِعِينَ الْغَيْظ عِنْد اِمْتِلَاء نُفُوسهمْ مِنْهُ , يُقَال مِنْهُ : كَظَمَ فُلَان غَيْظه : إِذَا تَجَرَّعَهُ فَحَفِظَ نَفْسه مِنْ أَنْ تَمْضِي مَا هِيَ قَادِرَة عَلَى إِمْضَائِهِ بِاسْتِمْكَانِهَا مِمَّنْ غَاظَهَا وَانْتِصَارهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا . وَأَصْل ذَلِكَ مِنْ كَظَمَ الْقِرْبَة , يُقَال مِنْهُ : كَظَمْت الْقِرْبَة : إِذَا مَلَأْتهَا مَاء , وَفُلَان كَظِيم وَمَكْظُوم إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا غَمًّا وَحُزْنًا , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْحُزْن فَهُوَ كَظِيم } 12 84 يَعْنِي مُمْتَلِئ مِنْ الْحُزْن , وَمِنْهُ قِيلَ لِمَجَارِي الْمِيَاه الْكَظَائِم لِامْتِلَائِهَا بِالْمَاءِ , وَمِنْهُ قِيلَ : أَخَذْت بِكَظْمِهِ يَعْنِي بِمَجَارِي نَفْسه . وَالْغَيْظ : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَاظَنِي فُلَان فَهُوَ يَغِيظنِي غَيْظًا , وَذَلِكَ إِذَا أَحْفَظَهُ وَأَغْضَبَهُ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَالصَّافِحِينَ عَنْ النَّاس عُقُوبَة ذُنُوبهمْ إِلَيْهِمْ , وَهُمْ عَلَى الِانْتِقَام مِنْهُمْ قَادِرُونَ , فَتَارِكُوهَا لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْله { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ مَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْعَامِلِينَ بِهَا الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَالْعَامِلُونَ بِهَا هُمْ الْمُحْسِنُونَ , وَإِحْسَانهمْ هُوَ عَمَلهمْ بِهَا . كَمَا : 6217 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } . .. الْآيَة : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } أَيْ وَذَلِكَ الْإِحْسَان , وَأَنَا أُحِبّ مَنْ عَمِل بِهِ . 6218 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَوْم أَنْفَقُوا فِي الْعُسْر وَالْيُسْر , وَالْجَهْد وَالرَّخَاء , فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَغْلِب الشَّرّ بِالْخَيْرِ فَلْيَفْعَلْ , وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , فَنِعْمَتْ وَاَللَّه يَا اِبْن آدَم الْجَرْعَة تَجْتَرِعُهَا مِنْ صَبْر وَأَنْتَ مَغِيظ وَأَنْتَ مَظْلُوم . 6219 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثنا مُحْرِز أَبُو رَجَاء , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : يُقَال يَوْم الْقِيَامَة : لِيَقُمْ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّه أَجْر ! فَمَا يَقُوم إِلَّا إِنْسَان عَفَا . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } 6220 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام يُقَال لَهُ عَبْد الْجَلِيل , عَنْ عَمّ لَهُ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذه مَلَأَهُ اللَّه أَمْنًا وَإِيمَانًا " . 6221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } . .. إِلَى الْآيَة : { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } , فَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ كَقَوْلِهِ : { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } 42 37 يَغْضَبُونَ فِي الْأَمْر لَوْ وَقَعُوا بِهِ كَانَ حَرَامًا فَيَغْفِرُونَ وَيَعْفُونَ , يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْه اللَّه ; { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس } كَقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْل مِنْكُمْ وَالسَّعَة } . .. إِلَى : { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِر اللَّه لَكُمْ } 24 22 يَقُول : لَا تَقْسِمُوا عَلَى أَنْ لَا تُعْطُوهُمْ مِنْ النَّفَقَة شَيْئًا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } أُعِدَّتْ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلْمُتَّقِينَ , وَهُمْ الْمُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه , إِمَّا فِي صَرْفه عَلَى مُحْتَاج , وَإِمَّا فِي تَقْوِيَة مُضْعَف عَلَى النُّهُوض لِلْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّه . وَأَمَّا قَوْله : { فِي السَّرَّاء } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فِي حَال السُّرُور بِكَثْرَةِ الْمَال , وَرَخَاء الْعَيْش وَالسَّرَّاء : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ سَرَّنِي هَذَا الْأَمْر مَسَرَّة وَسُرُورًا ; وَالضَّرَّاء : مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : قَدْ ضُرَّ فُلَان فَهُوَ يُضَرّ إِذَا أَصَابَهُ الضُّرّ , وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُ الضِّيق وَالْجَهْد فِي عَيْشه . 6216 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبَى , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } يَقُول : فِي الْعُسْر وَالْيُسْر . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْجَنَّة الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا لِمَنْ اِتَّقَاهُ وَأَنْفَقَ مَاله فِي حَال الرَّخَاء وَالسَّعَة وَفِي حَال الضِّيق وَالشِّدَّة فِي سَبِيله . وَقَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } يَعْنِي : وَالْجَارِعِينَ الْغَيْظ عِنْد اِمْتِلَاء نُفُوسهمْ مِنْهُ , يُقَال مِنْهُ : كَظَمَ فُلَان غَيْظه : إِذَا تَجَرَّعَهُ فَحَفِظَ نَفْسه مِنْ أَنْ تَمْضِي مَا هِيَ قَادِرَة عَلَى إِمْضَائِهِ بِاسْتِمْكَانِهَا مِمَّنْ غَاظَهَا وَانْتِصَارهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا . وَأَصْل ذَلِكَ مِنْ كَظَمَ الْقِرْبَة , يُقَال مِنْهُ : كَظَمْت الْقِرْبَة : إِذَا مَلَأْتهَا مَاء , وَفُلَان كَظِيم وَمَكْظُوم إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا غَمًّا وَحُزْنًا , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْحُزْن فَهُوَ كَظِيم } 12 84 يَعْنِي مُمْتَلِئ مِنْ الْحُزْن , وَمِنْهُ قِيلَ لِمَجَارِي الْمِيَاه الْكَظَائِم لِامْتِلَائِهَا بِالْمَاءِ , وَمِنْهُ قِيلَ : أَخَذْت بِكَظْمِهِ يَعْنِي بِمَجَارِي نَفْسه . وَالْغَيْظ : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : غَاظَنِي فُلَان فَهُوَ يَغِيظنِي غَيْظًا , وَذَلِكَ إِذَا أَحْفَظَهُ وَأَغْضَبَهُ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَالصَّافِحِينَ عَنْ النَّاس عُقُوبَة ذُنُوبهمْ إِلَيْهِمْ , وَهُمْ عَلَى الِانْتِقَام مِنْهُمْ قَادِرُونَ , فَتَارِكُوهَا لَهُمْ . وَأَمَّا قَوْله { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَإِنَّ اللَّه يُحِبّ مَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الْأُمُور الَّتِي وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْعَامِلِينَ بِهَا الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض . وَالْعَامِلُونَ بِهَا هُمْ الْمُحْسِنُونَ , وَإِحْسَانهمْ هُوَ عَمَلهمْ بِهَا . كَمَا : 6217 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } . .. الْآيَة : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ }أَيْ وَذَلِكَ الْإِحْسَان , وَأَنَا أُحِبّ مَنْ عَمِل بِهِ . 6218 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } قَوْم أَنْفَقُوا فِي الْعُسْر وَالْيُسْر , وَالْجَهْد وَالرَّخَاء , فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَغْلِب الشَّرّ بِالْخَيْرِ فَلْيَفْعَلْ , وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ , فَنِعْمَتْ وَاَللَّه يَا اِبْن آدَم الْجَرْعَة تَجْتَرِعُهَا مِنْ صَبْر وَأَنْتَ مَغِيظ وَأَنْتَ مَظْلُوم . 6219 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثنا مُحْرِز أَبُو رَجَاء , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : يُقَال يَوْم الْقِيَامَة : لِيَقُمْ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّه أَجْر ! فَمَا يَقُوم إِلَّا إِنْسَان عَفَا . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } 6220 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن قَيْس , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم , عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الشَّام يُقَال لَهُ عَبْد الْجَلِيل , عَنْ عَمّ لَهُ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة فِي قَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذه مَلَأَهُ اللَّه أَمْنًا وَإِيمَانًا " . 6221 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ } . .. إِلَى الْآيَة : { وَاَللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } , فَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظ كَقَوْلِهِ : { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } 42 37 يَغْضَبُونَ فِي الْأَمْر لَوْ وَقَعُوا بِهِ كَانَ حَرَامًا فَيَغْفِرُونَ وَيَعْفُونَ , يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْه اللَّه ; { وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاس } كَقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْل مِنْكُمْ وَالسَّعَة } . .. إِلَى : { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِر اللَّه لَكُمْ } 24 22 يَقُول : لَا تَقْسِمُوا عَلَى أَنْ لَا تُعْطُوهُمْ مِنْ النَّفَقَة شَيْئًا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا . '
تفسير القرطبي
فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { الذين ينفقون} هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه. و { السراء} اليسر { والضراء} العسر؛ قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. وقال عبيد بن عمير والضحاك : السراء والضراء الرخاء والشدة. ويقال في حال الصحة والمرض. وقيل : في السراء في الحياة، وفي الضراء يعني يوصي بعد الموت. وقيل : في السراء في العرس والولائم، وفي الضراء في النوائب والمآتم. وقيل : في السراء النفقة التي تسركم؛ مثل النفقة على الأولاد والقرابات، والضراء على الأعداء. ويقال : في السراء ما يضيف به الفتى ويهدى إليه. والضراء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم. قلت : والآية تعم. ثم قال تعالى: { والكاظمين الغيظ} وهي المسألة: الثانية: قوله تعالى { والكاظمين الغيظ} وكظم الغيظ رده في الجوف؛ يقال : كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه، وكظمت السقاء أي ملأته وسددت عليه، والكِظامة ما يسد به مجرى الماء؛ ومنه الكظام للسير الذي يسد به فم الزِّق والقِربة. وكظم البعير جِرته إذا ردها في جوفه؛ وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه : كظم؛ حكاه الزجاج. يقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا؛ ومنه قول الراعي : فأفضن بعد كظومهن بجرة ** من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا الحقيل : موضع. والحِقيل : نبت. وقد قيل : إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجتر؛ قال أعشى باهلة يصف رجلا نحارا للإبل فهي تفزع منه : قد تكظم البُزْل منه حين تبصره ** حتى تقطع في أجوافها الجِرَرُ ومنه : رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا. وفي التنزيل { وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} [يوسف : 84]. { ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل : 58]. { إذ نادى وهو مكظوم} [القلم : 48]. والغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان لكن فُرقان ما بينهما، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولا بد؛ ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب؛ وليس بجيد. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى { والعافين عن الناس} العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتجه حقه. وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه. واختلف في معنى { عن الناس} ؛ فقال أبو العالية والكلبي والزجاج { والعافين عن الناس} يريد عن المماليك. قال ابن عطية : وهذا حسن على جهة المثال؛ إذ هم الخَدَمَة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل؛ فلذلك مثل هذا المفسر به. وروي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية : يا مولاي، استعمل قوله تعالى { والكاظمين الغيظ} قال لها : قد فعلت. فقالت : اعمل بما بعده { والعافين عن الناس} . فقال : قد عفوت عنك. فقالت الجارية { والله يحب المحسنين} . قال ميمون : قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى. وروي عن الأحنف بن قيس مثله. وقال زيد بن سلم { والعافين عن الناس} عن ظلمهم وإساءتهم. وهذا عام، وهو ظاهر الآية. وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك : (إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت). فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال { وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى : 37]، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله { والعافين عن الناس} ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك. ووردت في كظم الغيظ والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث؛ وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس؛ فقال صلى الله عليه وسلم : (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). وقال عليه السلام (ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله). وروى أنس أن رجلا قال : يا رسول الله، ما أشد من كل شيء ؟ قال : (غضب الله). قال فما ينجي من غضب الله؟ قال : (لا تغضب). قال العرجي : وإذا غضبت فكن وقورا كاظما ** للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تصبر ساعة ** يرضى بها عنك الإله وترفع وقال عروة بن الزبير في العفو : لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ** حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة ** لا عفو ذل ولكن عفو إكرام وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء) قال : هذا حديث حسن غريب. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب). ذكره الماوردي. وقال ابن المبارك : كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل؛ فقلت : يا أمير المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب)؛ فأمر بإطلاقه. الرابعة: قوله تعالى { والله يحب المحسنين} أي يثيبهم على إحسانهم. قال سري السقطي : الإحسان أن تحسن وقت الإمكان، فليس كل وقت يمكنك الإحسان؛ قال الشاعر : بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا ** فليس في كل وقت أنت مقتدر وقال أبو العباس الجماني فأحسن : ليس في كل ساعة وأوان ** تتهيأ صنائع الإحسان وإذا أمكنت فبادر إليها ** حذرا من تعذر الإمكان وقد مضى في "البقرة" القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة :: الفئات العامة :: الملتقى الإسلامي-
انتقل الى: