ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
أهلا وسهلا بكم في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
عذرا /// أنت عضو غير مسجل لدينا الرجاء التسجيل

ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة

شهداء فلسطين
 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بكتك العيون يا فارس * وبكتك القلوب يا ابا بسام
إدارة ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة ترحب بكم أعضاءً وزوارً في ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة
محمد / فارس ( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقكم لمحزونون

شاطر | 
 

 إنه بن لادن كل شئ عنه بلسان زوجته وأبنه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو ايهاب حمودة
:: المشرف العام ::
:: المشرف العام ::
avatar

عدد المساهمات : 25191
تاريخ التسجيل : 16/08/2009

مُساهمةموضوع: إنه بن لادن كل شئ عنه بلسان زوجته وأبنه   الأحد مارس 23, 2014 1:56 pm


إنه بن لادن كل شئ عنه بلسان زوجته وأبنه

حرص أسامة بن لادن منذ اللحظة التي استرعي فيها انتباه العالم، علي إخفاء حتي أدق التفاصيل غير الشخصية المتعلقة به وبزوجاته وأولاده، وغذي غياب المعلومات الخاصة عنه وعن عائلته المباشرة، مخيلة العالم منذ 11 سبتمبر 2001، وقد نُشر كثير من الكتب عنه وعن تنظيمه، القاعدة.. وهذا هو الكتاب الأول الذي يُكتب من داخل حياة عائلة أسامة بن لادن من خلال سلسلة حوارات ولقاءات قامت بها الكاتبة جين ساسون، ويتضمن روايات شخصية مباشرة من زوجته الأولي نجوي وابنهما الرابع عمر.. وأريد من القراء أن يعرفوا أنه لم يتم إضافة أي شيء مما ورد في كتاب «إنه بن لادن» عبر آراء المؤلفة، بل سجلت الأحداث، والروايات، والأفكار الخاصة، من نجوي وعمر مباشرة.. وقد تركت الحقيقة عن عائلة بن لادن تتكشف تكشفاً طبيعياً، برغم أنني ارتعت لبعض ما تم إفشاؤه ونجوي وعمر، علي غرار الأفراد الآخرين في عائلة بن لادن الكبري، ليسا إرهابيين.. ولم يؤذ أي منهما أحداً أبداً، بل إنهما في الواقع من ألطف الأشخاص الذين سُعدت بالتعرف إليهم.
من المهم التنويه بأن هذه المذكرات تتعلق بالحياة الخاصة لأسامة بن لادن وعائلته وأرجو أن تبقوا في أذهانكم أن ابنه عمر كان صغيراً قبيل الفترة التي أمضاها في أفغانستان وأن والدة عمر نجوي عاشت خلال زواجها في عزلة انصياعاً لرغبات زوجها، وهذه رواية شخصية خالصة عن حياة العائلة، لأن الكثير من أسرار أسامة بن لادن السياسية والجهادية والإسلامية أخفي عن زوجته وابنه، برغم أنها تغلغلت في حياتهما بطرائق لم يفهماها جيداً في ذلك الوقت.
غالباً ما انشغل عمر ونجوي خلال السنوات المضطربة التي عاشاها مع أسامة بن لادن عن الاحتفاظ بملاحظات أو بيوميات.. واعترفاً بأن تواريخ المناسبات العائلية قد لا تكون دقيقة دائماً، وطلباً من القراء أن يعتبروا أن معلومات هذا الكتاب هي في الأساس تاريخ شفوي، وهو بالتالي عرضة لـ«سهوات» الذاكرة.
أخيراً بالرغم من أن هذا الكتاب هو قصة نجوي وعمر وذكرياتهما ووجهات نظرهما، كما أخبراني إياها، فعلي القارئ أن يفهم أن المادة التي أضفتها إلي النص ويمكن التعرف إليها بوضوح -وهي ملاحظات المؤلفة في النص وفي الملاحق في آخر الكتاب- لا تعكس إلا وجهات نظري ورأيي أنا، وليس وجهات نظر عمر أو نجوي بن لادن وآراءهما.
وربما علينا ونحن نسعي إلي تعميق معرفتنا بأولئك الذين يلحقون أذي كبيراً بالعالم، أن نأخذ بتوجيهات كلمات السير وينستون تشرشل في نهاية الحرب العالمية الثانية: «الآن وقد انتهت فإننا نسعي بعناية دقيقة إلي اكتشاف مجرميها وأبطالها.. من هم؟ من هم الأرذال الذين شنوا الحرب؟ علينا أن نعرف، ونريد أن نعرف، ونحن وقد كوتنا جراحنا، وأغضبتنا أذيتنا، وأدهشتنا جهودنا الرائعة وإنجازاتنا، نطالب بإلحاح سلطتنا بمعرفة الحقيقة وتحديد المسئوليات».
لا يولد الناس إرهابيين، ولا يصبحون إرهابيين بضربة واحدة، فحياتهم أشبه بمزارع يخضر الحقل للزرع، تتكشف خطوة فخطوة في نمط يحضرهم لتلقي بذرة الإرهاب.
وهكذا الأمر مع أسامة بن لادن، وقد اضمحل الرجل والرجال والأحداث الذين زرعوا تلك البذرة، لكن البذرة نمت وانطلق الإرهابي، ومن كان رجلاً أصبح إرهابياً.
نجوي غانم بن لادن لا تعرف سوي الرجل أما الغرب فلا يعرف سوي الإرهابي.
نجوي بن لادن
لم أكن فيما مضي زوجة لأسامة بن لادن، بل كنت طفلة بريئة تراودها أحلام الفتاة الصغيرة، وغالباً ما أعود، في هذه الأيام، بأفكاري إلي الزمن الماضي، وأتذكر الفتاة الصغيرة التي كنتها، والطفولة الآمنة والسعيدة التي تمتعت بها.
غالباً ما سمعت الكبار يتحدثون بحسرة وغضب عن طفولتهم، وقد سروا لأنهم جاوزوا سنوات طفولتهم، مثل هذا الكلام يعجزني، لأنني أود لو استطعت، العودة بالزمن إلي الفترة الأولي من حياتي، وأبقي فتاة صغيرة إلي الأبد.
عشنا أنا وأهلي وأخوتي، في فيلا متواضعة في مدينة اللاذقية السورية الساحلية، التي يربض علي شاطئها مرفأ جميل، والمنطقة الساحلية في سورية رائعة، تتمتع بهواء البحر وبأرض خصبة يزرع فيها المزارعون المحظوظون الفاكهة والخضر، وقد نصبت حديقتنا الخلفية بأشجار خضراء تحمل ثماراً لذيذة، ويري المرء من خلف السهل البحري الضيق، الجبال الساحلية بمناظرها الرائعة، وتلالها المزروعة بالأشجار المثمرة وبساتين الزيتون.
عاش سبعة أشخاص في منزل آل غانم، وبالتالي كان جو بيتنا حميمياً بلاريب، كنت الطفلة الثانية المولودة لأمي وأبي، وقد تمتعت بعلاقات جيدة مع شقيقي الأكبر ناجي وأخوتي الأصغر مني سناً ليلي ونبيل وأحمد.. وكان لي أيضاً أخ غير شقيق هو علي يكبر أولاد أمي ببضع سنوات، فقد سبق لوالدي أن تزوج مرات عدة قبل أن يقترن بأمي، وأنجب عليا من زوجة سابقة.
وناجي أقرب أخوتي إلي ويكبرني بعام واحد.. وعلي غرار معظم الصبية كان شقيقي بالرغم من أنني أحببته حباً جماً يسبب لي بعضاً من الأذي الذي لطالما أرعبني.
فأنا علي سبيل المثال ولدت وأنا أخاف من الأفاعي وقد استخدم ناجي في أحد الأيام مصروفه فتسلل إلي السوق المحلية واشتري أفعي بلاستيكية، ثم قرع بتهذيب شديد باب غرفة نومي وعندما فتحت الباب ابتسم شقيقي بخبث ورمي بين يدي فجأة بما اعتقدته أفعي حية، هزت صرخاتي الحادة المنزل بأسره، وأنا أرمي الأفعي وأركض بسرعة كبيرة يعتقد المرء معها أنني أمتطي الهواء.
صدف وجود والدي في المنزل فهرع لمعالجة الأزمة، وهو يعتقد بما يشبه اليقين أن لصوصاً مسلحين اقتحموا المنزل لقتلنا، وعندما أدرك أخيراً أن صراخي سببه ناجي الذي كان يلوح بفخر بالأفعي المزيفة حدق طويلاً وبحدة إليه قبل أن يشرع في إطلاق العنان لتهديداته الأبوية.
لكن ناجي استمر في غيه، وهو يصيح فوق صياح أبي «نجوي جبانة!! وأنا أعلمها كيف تكون شجاعة».
ولو أمكنني رؤية المستقبل، عندما ستصبح الأفاعي زائرة اعتيادية لمنزلي الجبلي في أفغانستان، فلربما توجهت بالشكر إلي أخي.
شكلت الشرفة العلوية بقعتي المفضلة في الفيلا، وهو المكان الأثير لفتاة يافعة تريد الهروب إلي أرض الأحلام، قضيت فيها ساعات ساحرة كثيرة مسترخية برفقة أحد كتبي المفضلة وكنت في العادة بعد قراءة بضعة فصول استخدم اصبعي للامساك بالصفحة، وأحدق إلي الخارج إلي الشارع من تحتي.
تلاصقت البيوت في حينا، وأحاطت بها المؤسسات التجارية الصغيرة من كل النواحي، وقد أحببت مراقبة الحركة الكثيفة للأناس المتدفقين علي الحي، ينجزون مهامهم اليومية ليعودوا إلي منازلهم ويمضوا أمسية ممتعة بعد العشاء ويرتاحوا مع عائلاتهم.
يتحدر الكثير من عائلات حيّنا من ديار أخري، وقد جاءت عائلتي من اليمن، وهي بلد بعيد يقال إنه يتمتع بجمال رائع.. لم يخبرني أحد بأي تفاصيل عن سبب هجرة أجدادنا، لكن الكثير من العائلات اليمنية هاجرت إلي بلدان مجاورة، إلي حد يقال معه إن الدم اليمني يسري في العالم العربي بأسره، والأكثر ترجيحاً أن الفقر وحده، هو الذي دفع بأجدادنا اليمنيين إلي أن يبيعوا أنعامهم، ويقفلوا منازلهم، ويتخلوا عن حقول قاحلة، ويخلفوا وراءهم، إلي الأبد أصدقاء قدامي في مدن مألوفة.
يمكنني أن أتخيل أجدادي يجلسون في بيوتهم: الرجال منهم وقد تمنطقوا بخناجرهم المعقوفة، وربما مضغوا أوراق القات، بينما النساء بعيونهن السوداء وقد أبرزها الكحل، يستمعن بصمت، في حين يجادل رجالهن فيما تمثله أرض قاحلة أو فرص مهدورة من تحد.. ولت تجارة البخور القديمة، وباتت الأمطار غير المنتظمة لا تسمح بزرع المحاصيل التي يمكن الركون إليها، ولربما كان الجوع الذي يعض أولادهم، هو الذي أقنع أجدادي بركوب جمالهم الفارعة الطول، والنزوح عبر الأودية الخضراء التي تزركشها تلك التلال البنية المرتفعة.
عندما وصلوا إلي سورية أقام أجدادي منزلهم علي شاطيء البحر المتوسط في المدينة الكبيرة ذات الشاطئ والمرفأ، وهي المكان الذي ولدت فيه وقضيت طفولتي في حناياه، ذكر اسم اللاذقية في نصوص تعود إلي ألفي سنة مضت، ووصفت بأن فيها «أبنية تثير الإعجاب وميناء مميزاً» يحيط بها البحر من جهة، والأراضي الخصبة من الجهة الأخري، وقد طمع بها الكثيرون، وتناوب علي احتلالها الفينيقيون والإغريق والرومان والعثمانيون وعلي غرار جميع المدن القديمة، قدمت اللاذقية وأعيد بناؤها مرات عدة.
كانت خبرات حياتي، حتي الوقت الذي تزوجت فيه وسافرت إلي جدة، محصورة في منزلي العائلي، ومدينتي اللاذقية وبلدي سورية.
كنت الابنة التي تجلب الفخر لوالديها، ولما أصبحت ناضجة كفاية لأفهم ما يقوله الناس من حولي، صرت أدرك الحديث الودي المتعلق بكل من الجمال الداخلي وجمال الخارجي لعائلتي، وأسعدني، بالتأكيد، أننا محترمون لمسلكنا الجيد، لكن افتخاري، كفتاة، كان خصوصاً بالحديث عن مظهرنا المليح.
عمل والدي في التجارة وهي السبيل الشائع لدي كثير من الرجال العرب في المنطقة لكسب العيش، لم أعرف أبداً الكثير عن حياة والدي اليومية، ففي ثقافتي لا ترافق الفتيات آباءهن إلي العمل، لكنني أعلم بأنه كان مجتهداً، يغادر المنزل في الصباح الباكر ولا يعود إلا في ساعات المساء، وقد أمن عمله الشاق حياة مرفهة لعائلته، وأعتقد حينما أتذكر سنوات طفولتي، أنه كانت لوالدي لمسة لين ورفق مع بناته، فهو أشد قسوة مع أشقائي الذين أجبره عنادهم أحياناً علي أن يظل يقظاً.
بقيت والدتي في المنزل تهتم بحاجاتنا الشخصية، كانت طباخة موهوبة وربة منزل مبالغة في الدقة ولا ينتهي عملها أبداً بوجود زوج وثلاثة أبناء وابنتين، فتمضي معظم يومها في المطبخ، ولن أنسي أبداً الأطباق اللذيذة التي تحضرها لعائلتها، بدءاً بالفطور الشهي من البيض والجبن والزبدة والعسل، مع اللبنة والخبز والمربي، والغداء الذي يتألف من الحمص المتبل، ومختلف أنواع الخضر الطازجة من حديقتنا من بندورة وخيار مقطوفين حديثاً، وباذنجان مخلل ومحشو بالثوم «مكدوس» وجوز البكان، وكانت وجبة المساء تقدم ما بين السابعة والثامنة، وغالباً ما تستقبل أعيننا الكبيرة صحونا لذيذة من الأرز مع البزلي، ومحشو ورق العريش، والبامية، والكبة، وهي طبق شعبي جداً لدي العرب، وهي في الأساس لحم غنم مطحون مع البرغل وممزوج مع الملح والبهار والبصل وتوابل أخري.
كنت أنا وشقيقتي نساعد في أعمال المنزل لكننا كنا نقوم بالواجبات الخفيفة مقارنة مع مهام الوالدة، كنت أبقي سريري مرتباً، وأغسل الأطباق، وفي اليوم الذي لا أكون فيه في المدرسة أساعدها في أعمال الطبخ.
لعبت أمي دور المؤدّبة الرئيسية لجميع الأولاد، وكنت أخاف وأنا صغيرة من قواعدها الصارمة المتعلقة بالسلوك الاجتماعي لابنتيها، وهذا شيء مألوف في ثقافتي، حيث تشكل الفتيات نور العائلة المضيء، ويتوقع منهن الكمال في كل شيء، بينما يكون التوقع المسبق بأن الأبناء سيقومون بالأمور الطائشة والمتهورة في شبابهم، ولو أن طفلة أنثي قامت بتصرف سيئ، فستعاني العائلة بأكملها العار الكبير في عيون المجتمع، ولو أنني تصرفت بسوء لصعب علي والدي أن يجدا عائلة تسمح لأبنائها وبناتها بالزواج من عائلتنا، فمن شأن تصرفات الفتاة الرعناء أن تحرم إخوانها وأخواتها من شركاء جديرين بالزواج.
لم توافق والدتي وأنا في سن المراهقة علي أسلوبي في ارتداء الملابس فهي امرأة مسلمة محافظة تغطي شعرها بوشاح وترتدي ملابس تلفها من عنقها إلي أخمص قدميها، وأنا تمردت علي مثل هذا اللباس التقليدي، قاومت توسلاتها بارتداء ملابس محتشمة، بل رفضت حتي تغطية رأسي، ارتديت فساتين جميلة ملونة لم تكن قد أصبحت كلياً بعد خارج الموضة، ورفضت أن ألبس صيفاً البلوزات التي تغطي ذراعي، أو التنانير التي تصل إلي رسخي، وأخذت أجادل والدتي كلما تحدثت عن أسلوب لباسي المعاصر، وأنا الآن خجلة لأنني سببت لها مثل هذا الأسي.
مازالت أذكر مدي افتخاري بذهابي للمرة الأولي إلي المدرسة ارتديت وأنا صغيرة جداً زي البنات المعهود وهي كناية عن ثوب فضفاض لكنه لم يعد في وسعي ما إن بدأت مرحلة الدراسة الثانوية أن اتجاهل والدتي ولبست للحشمة سترة فوق فستاني.
كم أحببت المدرسة!! لقد وسعت عالمي الصغير الذي كان محصوراً في أفراد عائلتي وأدخلت إليه صديقات جديدات ومعلمين يحملون الكثير من المعلومات المكتنزة في رؤوسهم، ولطالما تساءلت في سري كيف لم تتفجر جماجمهم.. كنت طفلة كثيرة الأسئلة وقرأت ما أمكنني من الكتب، وتمتعت أكثر ما تمتعت بروايات عن أماكن بعيدة وأناس لم ألتق أياً منهم، وسرعان ما أدركت كم لدي من القواسم المشتركة مع فتيات صغيرات من عمري، بغض النظر عن المكان الذي يعشن فيه.
في ثقافتي نادراً ما يختلط الصبيان والبنات الذين بلغوا سن الدراسة، خارج حلقة العائلة وكانت مدرستي بالتالي مخصصة للبنات فقط، تعرفت إلي عدد من التلميذات الفقيرات، وقد علمني فقرهن واحدة من أكبر أمثولات الحياة، وأذكر بنوع خاص صديقة بلغت عائلتها حدا مدقعا من الفقر، يعجز معه والدها عن شراء اللوازم الدراسية أو حتي الطعام لاستراحة الظهر، وبصرف النظر في كيفية تأثير ذلك في وضعي، لكون موارد عائلتي متواضعة تقاسمت مالي وطعامي ولوازمي الدراسية مع صديقتي الصغيرة وشعرت بأكبر إحساس من السعادة حيال رد فعلها.
علمت منذ ذلك اليوم البعيد أن فرح العطاء يصبح أكثر حدة عندما تؤدي المشاركة إلي مشقة شخصية، فيسهل كثيراً علي الشخص التقاسم عندما يملك الكثير.
وأذكر صديقة ثانية كانت تهم دوماً بالبكاء، وسرعان ما علمت بأن والدها طلق أمها حديثاً ولم يُسمح لصديقتي المسكينة حتي برؤية والدتها، بل أجبرت علي العيش مع أبيها وزوجته الجديدة، تألمت كثيراً وتعاطفت مع حالتها، لأن كل طفل يحتاج إلي أن تكون أمه قربه، وأدركت أن المشاركة لا تعني بالضرورة تقديم المال أو الحاجات العينية، بل تكمن العطية الأعظم في تجاهل مشاكلك الشخصية والاستمتاع إلي حرقة الآخر والاهتمام به.
التقيت أخيراً صديقة الطفولة هذه مصادفة ورقص قلبي فرحاً عندما أخبرتني بأنها وجدت السعادة في لقائها «النصف الآخر» من حياتها اختارت ارتداء الحجاب، وهي سعيدة في زواجها، ولم تفاجئني بقولها إن أولادها يجلبون لها الفرح الأكبر.
شكلت المدرسة لذة فتحت ذهني، لكن ثمة هوايات أخري أضافت المتعة إلي حياتي وكنت خلافاً لافتراضات كثير من الناس حول حياة النساء المسلمات المحافظات، لاعبة كرة مضرب ماهرة، ولأني لا أملك اللباس الخاص بهذه الرياضة، واظبت علي ارتداء ثوب طويل، بحيث لا أكشف الكثير من ساقي وأنا أقفز، وكنت أنتعل حذاء مريحاً، وأتدرب لساعات، وأضرب الكرة بالشكل المناسب تماماً، أو أرد الإرسال بقدر من القوة يترك خصمتي تقف فاغرة الفم من الدهشة، لكن الغرض الأساسي من ذلك كان الرياضة، وأنا ماأزال حتي اليوم أسمع الضحك الذي يجلجل في المكان عندما كنا نلعب أنا وصاحباتي كرة المضرب.
أحببت أيضاً ركوب دراجتي الملونة، وكنت مرة أخري انتقي ثوباً طويلاً حتي لا أكشف عن ساقي للمارة، ثم أهرب من المنزل مع أشقائي وشقيقتي نبذل جهدنا ونحن نصعد تلال اللاذقية، ثم نغرق في الضحك ونحن نمر في طريقنا نزولاً بالجيران المتفاجئين، وفي مرات أخري كنت أركب دراجتي إلي منازل صديقاتي أو أقاربي المجاورين.
اختبرت علي مدي سنين كثيرة فرحاً عظيماً بوصفي فنانة مبتدئة، أرسم المناظر الطبيعية علي القماش والأواني الفخارية الناعمة، قضيت ساعات أمزج الألوان لأجعل الرسوم ترضي عيني الفنانة، وذوقها وقد أعجب أشقائي كثيراً بنوعية رسوماتي ليتنبأوا بأن نجوي غانم ستصبح في أحد الأيام فنانة ذات شهرة عالمية.
وأنا عاجزة في هذه الأيام عن التمتع بمثل هذه الحرف، لكنني بوصفي أماً وحيدة ذات مسئوليات كثيرة حيال أولادي الصغار، لاأزال حتي اليوم أجد بعض اللذة في استخدامي مخيلتي، فغالباً ما أرسم في ذهني مناظر جميلة، أو أوجها صلبة فيها الكثير من التوقد، أو أتخيل عضلاتي وقد تشنجت من ركوب الدراجة صعوداً ونزولاً علي تلة شديدة الانحدار أو حتي الفوز بمباراة في كرة المضرب في مواجهة خصمة لا وجه لها.
أعتقد أنه في إمكان المرء أن يقول إن نجوي غانم فنانة بلا لوحات وراكبة دراجة بلا دراجة ولاعبة كرة مضرب بلا كرة، ولا مضرب ولا ملعب.
كان لأشقائي أيضاً هواياتهم، أحبننا جميعاً الآلات الموسيقية، وكثيراً ما كان يسمع الزوار قيثارة تدندن من زاوية خفية من زوايا المنزل، بل إن شقيقي الأكبر أهداني أكورديون، وأنا واثقة من أن منظري كان مسلياً لأنني كنت نحيفة والأكورديون مناسب أكثر لموسيقي ذي وزن.
كان أفضل الأوقات هو الصيف عندما يأتي أقاربنا للإقامة في منزلنا، وقد سررت أكثر ما يكون بزيارات شقيقة أبي -عليا- التي تقيم في جدة بالسعودية فعمتي عليا رائعة في كل شيء، وتثير المهابة في كل من يلتقيها وكانت تثير دهشتي لأنها ترتدي ثياباً علي الموضة عندما تزورنا، ولمعرفتي أنها في الديار في السعودية ترتدي الحجاب، وما يعنيه من تغطية كاملة للمرأة، بما في ذلك جسمها ووجهها وشعرها كانت تلبس في سورية ثياباً محتشمة ولكن أنيقة تغطي ذراعيها وساقيها وترتدي أيضاً وشاحاً رقيقاً فوق شعرها، لكنها لا تغطي وجهها.
اشتهرت عمتي عليا بلطفها أكثر من نمط لباسها وسحرها فهي كلما سمعت عن عائلة مكافحة تؤمن لها سراً مقومات البقاء.
سمعت عرضاً أهلي وهم يتحدثون سراً عن زواجها الأول بالموسر الكبير محمد بن لادن، وهو متعهد ثري في السعودية، أصبح زوج عمتي الأول، بفضل صداقته المميزة مع الملك السعودي عبدالعزيز بن سعود واحداً من أثري الرجال في بلد يفيض بالأغنياء.
كان زواجها بمحمد بن لادن قصيراً ورزقت منه بولد وحيد صبي اسمياه أسامة تزوجت عمتي بعد الطلاق بمحمد العطاس وهو رجل سعودي عمل لحساب زوج عمتي عليا الأول، وعُرف عن العطاس أنه زوج يعني بعمتي، ويحن علي ابنها ولم أسمع أي كلمة أو وشاية في حقه، وقد أنجب الزوجان معاً أربعة أولاد ثلاثة صبيان وبنتاً.
عرفتهم جميعهم حق المعرفة، لأن العائلة كلها تصاحب عمتي في زيارتها لأقربائها في اللاذقية، تناولنا وجبات كثيرة في منزلنا، وأذكر أنها كانت مناسبات احتفالية بنوع خاص، تدور فيها الأحاديث المفرحة والمضحكة، وكان أسامة طبعاً جزءاً من المجموعة فلطالما كان ابن عمتي الذي يكبرني بسنة حاضراً في حياتي.
ما إن أصبحت في السابعة أو الثامنة حتي بدأت الذكريات تعلق في ذهني، بدا أسامة أكبر بكثير من سنة واحدة مني، ربما لأنه كان ذلك الصبي الجدي، وصاحب الذمة وقد شكل لغزاً لأنسبائه، لكننا أحببناه جميعاً لشدة هدوئه ولطف مسلكه.
وأود أن أقول في وصف الصبي الصغير الذي عرفناه جميعاً، إنه كان فخوراً لكنه لم يكن متغطرساً لطالما بدا رقيقاً بلا ضعف، ورزينا بلا قساوة وهو بالتأكيد مختلف كثيراً عن أشقائي الذين كانوا يعشقون الصخب لم ألتق أبداً مثل هذا الصبي الناعم الكلام والجاد، ولم يفكر أحد في أسامة علي أنه ضعيف الإرادة برغم مسلكه الوادع، لأن طبعه قوي وحازم.
غالباً ما كانت العائلة بأسرها، لما تزورنا عمتي عليا مع أسرتها، تقوم بنزهات نهارية إلي الجبال أو إلي الشاطئ فتتملكنا نحن الأولاد الإثارة خلال مثل هذه النزهات العائلية، نركض في الجوار، ونتسابق علي الشاطئ ونلعب الغميضة ونربط حبلاً بشجرة ونصنع أرجوحة أو نقفز بالحبلة، وأذكر كيف كان أسامة يختار، باهتمام عناقيد العنب الريانة من الكرمة، ويناولني إياها لأكلها، وقد يكون أشقائي في هذه الأثناء يصرخون بأنهم عثروا علي بعض الجوز الجرش الواقع تحت أغصان الشجرة، وكنا في أحيان أخري نتسلق جميعاً أشجاراً ذات جذوع قصيرة لنتش بعض التفاح الحلو، أو نقحم أيدينا عبر العليقات المحملة بالصعرور الحامض، وكنت فرحة كثيراً باللعب مع أنسبائي برغم تحذير أمي لنا من الأفاعي، إلي درجة أن مخاوفي لم تعترض سبيل نشاطاتي.
مرت علينا برغم ذلك أوقات حزينة، بما في ذلك يوم الثالث من سبتمبر 1967، عندما كان والد أسامة محمد راكباً في طائرة صغيرة سقطت وتحطمت قتل بسببها وهو في الحادية والستين ومات معه أشخاص عديدون آخرون.
كان ابن عمتي يومها في العاشرة، إلا أنه أحب والده حباً عظيماً وكن له الاحترام ولطالما كان أسامة متحفظاً علي نحو غير مألوف في مسلكه وفي كلامه، لكن وفاة والده أكمدته كثيراً إلي درجة بات معها أكثر انكساراً، وهو علي مر السنين لم يتحدث سوي بالقليل عن هذه الحادثة المأساوية.
سكن صوت أمي وهي تخبرني عن خسارة أسامة وصدمني ذلك إلي حد أنني عجزت عن الانفعال لكنني انسحبت إلي الشرفة لتخيل مقدار محبتي لوالدي والفراغ الذي سأشعر به بدونه.
أوقع شقيقي ناجي وأسامة نفسيهما أحيانا في المشاكل مرت كثيرة وهما فتيان، كانا مرة يخيمان عندما قررا في نزوة المضي في نزهة طويلة سيراً علي الأقدام إلي كسب وهي بلدة في محافظة اللاذقية قريبة من الحدود مع تركيا وسرعان ما وجدا نفسيهما وقد عبرا الحدود، أن يضل المرء طريقه إلي دولة أخري قد يؤدي في هذا الجزء من العالم إلي عواقب خطيرة يختفي معها مسافرون مهملون إلي الأبد.
عاين جندي في الجيش التركي «الغريبين» علي أرضه، صاح بهما بتهديدات هائجة ورفع سلاحه، فتبادل ناجي وأسامة نظرة واحدة واستدارا وركضا بأسرع من الحصان إلي أن بلغا إحدي الحدائق.. ومن حُسن الحظ أن الحارس التركي تخلي عن ملاحقتهما إلي بلد آخر.
وفي مناسبة أخري ذهب ناجي وأسامة إلي دمشق المدينة القديمة العابقة بالتاريخ وعاصمة سورية ولطالما تمتع أسامة أكثر من الجميع بالرحلات الطويلة جلس الفتيان ورفاقهما بعد سير نشط، وتفيأوا إحدي الأشجار، وكانوا متعبين ويشعرون ببعض الجوع، وكانت أغصان الشجرة مثقلة بالتفاح الريان، تسلق ناجي وأصدقاؤه الشجرة وقد أغراهم منظر الفاكهة، وطلبوا إلي أسامة البقاء حيث هو والمراقبة قال ناجي لاحقاً إنه عرف أن هذا النسيب الورع يرجح أن يعرض عن أكل التفاح من شجرة ليست ملكاً له، لذا لم يرد لأسامة أن يشارك في الاختلاس الفعلي.
تسلق الصبية الشجرة لكن قبل أن تسنح لهم الفرصة بالتقاط تفاحة واحدة، شرعت زمرة من الرجال في الركض صوبهم، صارخين بغضب وهم يضربون الهواء بأحزمتهم الجلدية.
صاح الرجال: «انزلوا عن الشجرة، يا سارقي التفاح!».
ولأنه لا مفر لهم، نزل شقيقي وأصدقاؤه بهدوء عن الأغصان الكثيفة لمواجهة متحديهم، وما إن وطأت أرجلهم الأرض حتي شرع الرجال في ضربهم بتلك الأحزمة الجلدية القاسية، صاح ناجي بأسامة: «اهرب!! اهرب!! بأسرع ما استطعت!!».. فأسامة ضيفهم ومن المهم ألا يصاب الضيف بأذي.. كما أن ناجي عرف كم أن العمة عليا تحب ابنها الأول حباً جماً، ولم يشأ أخي العودة إلي المنزل حاملاً أخباراً سيئة عن أسامة.
اندفع أسامة بسبب إلحاح ناجي مبتعداً عن المواجهة لكن المالكين رأوا لسبب ما، أن في القبض علي الصبي الهارب أهمية قصوي، فمضوا وراء أسامة إلي أن أمسكوا به وهم يهددونه بأحزمتهم، أصبح أسامة وحده بدون أقربائه أو أصدقائه، فهجم عليه أحد الرجال وكان الأضخم، وانحني وعضه عضة قوية إلي درجة أن أسامة لايزال يحمل أثراً خفيفاً منها حتي اليوم.
سحب أسامة أسنان الرجل من لحمه ودفع به بعيداً، ثم واجه أولئك الرجال الغاضبين: «من الأفضل لكم تركي وشأني!! فما أنا إلا زائر لبلدكم.. لن أسمح لكم بضربي».
جعل تعبير أسامة الشديد هؤلاء الرجال يبتعدون عنه خفضوا أحزمتهم، محدقين إليه لبضع دقائق، قبل أن يقولوا: «سنتركك فقط لأنك ضيف في أرضنا».. عند هذا الحد تمكن شقيقي وأصدقاؤه من الإفلات، واستطاع سارقو التفاح، بعدما برئت ساحة أسامة، لم شملهم والعودة إلي مكان آمن، نظف جرح أسامة وتم تضميده، ومن حُسن الحظ أنه لم يعان من أي التهاب بسببه.
مرت أيام الطفولة السعيدة تلك بسرعة كبري، دخلت أولي سنوات مراهقتي، فأخذت عواطف غير متوقعة تسري كالدوامة بين ابن عمتي وبيني، لم أكن متأكدة مما يحصل، لكنني عرفت بوجود علاقة خاصة بين أسامة وبيني، لم يتفوه هو بأي شيء، لكن عينيه البنيتين أخذتا تشعان بالسرور كلما دخلت الغرفة، ارتعشت بسعادة عندما شعرت باهتمام ابن عمتي الشديد، وسرعان ما ستطفو مشاعرنا الخفية إلي السطح، وتغير حياتنا إلي الأبد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
إنه بن لادن كل شئ عنه بلسان زوجته وأبنه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الشهيدين محمد وفارس حمودة :: ملتقى الشخصيات العربية والدولية-
انتقل الى: